مقالات

نجية الإخبري..إغلاق المسجد الأقصى جريمة تُرتكب أمام صمت العالم

إغلاقُ المسجد الأقصى ليس حادثةً عابرة تُطوى في نشرات الأخبار، ولا إجراءً أمنيًا محدودًا بزمنٍ أو ظرف، بل هو فعلٌ عدوانيٌّ مركّب، يضرب في العمق الديني والتاريخي والإنساني، ويكشف بوضوحٍ فاضح اختلال موازين العدالة في هذا العالم. حين تُغلق أبواب الأقصى، لا تُغلق فقط في وجه المصلين الذين شدّوا الرحال إليه، بل تُغلق في وجه ذاكرةٍ ممتدةٍ عبر القرون، في وجه عقيدةٍ راسخة، وفي وجه حقٍّ لا يقبل القسمة أو التأجيل.

إنّ مشهد الجنود وهم يطوّقون أبواب الأقصى، ويمنعون المصلين من دخوله، ليس مجرد صورةٍ عابرة، بل هو تعبيرٌ مكثّف عن منطق القوة الذي يُراد له أن يحلّ محلّ كل القيم. هو إعلانٌ فجٌّ بأن منطق السلاح يتقدّم على منطق الحق، وأنّ إرادة الهيمنة تسعى لفرض نفسها حتى على أكثر الأماكن قداسة. فكيف يُعقل أن يُمنع إنسانٌ من الصلاة في مسجدٍ يُعدّ من أقدس مقدساته؟ وأيّ تبريرٍ يمكن أن يُمنح لمثل هذا الانتهاك الصارخ الذي لا يحتاج إلى تحليلٍ أو تأويل؟

  • إغلاق الأقصى ليس معزولًا عن سياقٍ عام، بل هو جزءٌ من سياسةٍ ممنهجة تستهدف فرض واقعٍ جديد، واقعٍ يُعاد فيه تشكيل المكان والهوية والتاريخ وفق إرادة المحتل. إنها خطواتٌ متدرجة تبدأ بالتضييق، مرورًا بالاقتحامات المتكررة، وصولًا إلى الإغلاق الكامل، في محاولةٍ لتكريس السيطرة وطمس المعالم الأصلية للمكان. كل بابٍ يُغلق اليوم، يُراد له أن يكون تمهيدًا لإغلاقٍ أكبر: إغلاق الرواية الحقيقية، وإقصاء أصحاب الأرض، وتحويل الحقّ إلى مجرد ذكرى تُروى.

ولعلّ الأخطر من الفعل ذاته، هو الصمت الذي يحيط به. صمتٌ دوليٌّ يرقى إلى مستوى التواطؤ، إذ تمرّ هذه الانتهاكات وكأنها تفاصيل عادية في مشهدٍ يوميٍّ مكرور. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في كل مكان، لكن حين يتعلق الأمر بالأقصى، تختفي هذه الشعارات، أو تُفرّغ من مضمونها. أيّ عدالةٍ هذه التي تُجزّأ؟ وأيّ إنسانيةٍ هذه التي تُصنّف البشر وفق الجغرافيا والمصالح؟

إنّ الأقصى ليس مجرد بناءٍ حجريّ، بل هو رمزٌ متجذر في الوعي الجمعي، وعنوانٌ لكرامةٍ جماعية لا يمكن فصلها عن الإيمان والهوية. هو قبلةٌ أولى، وثالث الحرمين، ومسرى النبي محمد في رحلة الإسراء والمعراج، ما يمنحه مكانةً لا تُقاس بمعايير السياسة الضيقة. وبالتالي، فإنّ أيّ اعتداءٍ عليه، أو إغلاقٍ لأبوابه، هو اعتداءٌ يتجاوز الجغرافيا ليطال وجدان أمةٍ بأكملها.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ لا يُكتب بلحظةٍ واحدة، ولا يُحسم بقرارٍ طارئ. لقد شهد الأقصى عبر تاريخه الطويل محنًا أشدّ قسوة، من احتلالٍ وتدنيس، لكنه ظلّ قائمًا، حاضرًا في قلوب المؤمنين، عصيًّا على المحو. فالقوة قد تُغلق بابًا، لكنها لا تستطيع أن تُغلق إيمانًا، ولا أن تطفئ يقينًا متجذرًا في النفوس.

إنّ إغلاق الأقصى هو اختبارٌ حقيقيٌّ للضمير الإنساني: هل ما زال هذا الضمير حيًّا وقادرًا على التمييز بين الحق والباطل؟ أم أنه بات خاضعًا لحسابات القوة والمصالح؟ وهو أيضًا امتحانٌ لإرادة الشعوب: هل تقبل أن تتحول مقدساتها إلى رهينة قراراتٍ تعسفية، أم أنها ستظلّ متمسكة بحقها، رافضةً لكل محاولات الإخضاع؟

في النهاية، قد تُغلَق الأبواب، وقد تُفرض القيود، لكن ما يُمثّله الأقصى أكبر من كل ذلك. سيظلّ مفتوحًا في الوعي، حيًّا في الذاكرة، حاضرًا في الضمير، مهما اشتدّ الحصار. لأنّ الأماكن التي تُبنى بالإيمان، لا تُهدم بالإجراءات، والقضايا التي تسكن القلوب، لا تُغلقها المفاتيح .

بقلم نجية الإخبري

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى
Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium Essai iptv gratuit Test IPTV 48h Premium Abonnement IPTV Premium Smart IPTV iptv gratuit Test iptv 7 jours Abonnement iptv iptv premium