أنشطة الهيئة

الهيئة المغربية تنظم حفل توقيع كتاب نبي الله سليمان دراسة مقارنة بين التوراة والقران

عقدت الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة، فعالية علمية، تم على مستواها توقيع كتاب الأستاذ محمد الرياحي الإدريسي، كما أن هذه الندوة تميزت بإجراء قراءة في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان “نبي الله سليمان.. دراسة مقارنة بين التوراة والقرآن”؛ وهو كتاب متوسط الحجم، إذ يضم 62 صفحة، حاول من خلاله ذ. الرياحي إثارة 3 محاور أساسية، هذه الأخيرة التي كانت موضوع القراءة المقدمة من قبل السادة الأساتذة الذين أطروا فعاليات هذه الندوة العلمية.

وقد حضر هذه الندوة مجموعة من الأساتذة المتميزين في مجال الفكر من مختلف أقطار المغرب الكبير، على رأسهم ذ. فتحي عبد القادر مدير مؤسسة القدس الدولية المتواجد مقرها باليمن، ونائب عميد معهد المعارف باليمن؛ والدكتور فؤاد بلمودن وهو أستاذ جامعي بجامعة أبي شعيب الدكالي بمدينة الجديدة-المغرب، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس منتدى جسور للدراسات والتدريب؛ كما حضر هذا اللقاء العلمي الأستاذ محمد ياسين هلالي وهو أستاذ بالمعهد الدولي لتكوين الأطر الدينية، ورئيس قسم ولائي بمعهد الدراسات والمعارف المقدسية، ورئيس الشعبة البلدية لعلماء المسلمين الجزائريين-ولاية بسكرة؛ بالإضافة لصاحب الكتاب الأستاذ محمد الرياحي.

وقد أثارت المداخلات حول الكتاب مجموعة من الأفكار المهمة والمتعددة، حيث تم في المداخلة الأولى التطرق لقراءة في مناهج دراسة التاريخ القديم لبني إسرائيل: سليمان عليه السلام نموذجا، التي قدمها ذ. فتحي عبد القادر، منبّها في البداية إلى أن معظم الدراسات التاريخية التي اتخذت اليهود واليهودية موضوعا لها، إنما تستقي معلوماتها من التوراة، وهذا إن كان له مبرر لدى البعض في كون التوراة تسد بعض الثغرات في الحقب التاريخية القديمة التي يعجز الباحثون عن التوصل لمعلومات تفصيلية ودقيقة حولها، إلا أن هذه المعلومات يتم تبنيها دونما تمحيص، ما يؤثر بالتالي على الحقائق التاريخية؛ وهذا المنهج صار شائعا في المدارس التاريخية الغربية التي تعتبر التوراة مصدرا للتاريخ، مع أن الدراسات الحديثة التي نشرت حول الموضوع تؤكد على كون التوراة لا تتضمن مصادر تاريخية دقيقة يمكن اعتمادها في إجراء الأبحاث العلمية بالنظر لكونها أقرب للنص الديني منها للمقترب التاريخي العلمي.

كما أشار ذ. فتحي إلى أن الدراسة المقارنة هي منهج مهم لاسيما إذا ما استحضرنا ما يمكننا منه هذا النهج من إثبات لبطلان وزيف الرواية التوراتية –الحالية- وأحقية ومصداقية الرواية القرآنية. ذلك أن هذا المنهج يسمح بمقابلة الروايات المتضادة ويعرضها على مشرحة النقد، فيتبين كنهها وتتضح ماهيتها، فيعلم بالتبعية من يتأسس على الحق ومن يرتع في الباطل؛ وهذه المناهج المشار لها هي عينها تلك المعتمدة في كتاب ذ. محمد الرياحي الموسوم ب “نبي الله سليمان..دراسة مقارنة بين التوراة والقرآن”، حيث أن هذا الكتاب يأتي في سياق مهم، يجعل منه ذا راهنية متجددة ويكتسي أهمية بالغة، تغري على قراءته ومطالعته، بل ومقاربته بالتحليل والدرس والاستفادة منه في الشكل والجوهر أي في المنهج والمحتوى لاسيما في إنجاز الدراسات والأبحاث ذات الصلة بالموضوع.

هذا وقد أكد ذ. فتحي على ضرورة اعتماد الموضوعية في الدراسات التاريخية، وعدم الانسياق وراء الأحداث أو المنشورات التي لا تراعي قواعد المنهج العلمي، منوّها في هذا الصدد بكتاب الأستاذ الرياحي، الذي حاول بجهد كبير يظهر بين دفتي الكتاب، أن يلتزم الموضوعية والحياد في مقاربته لهذا الموضوع الشائك، من خلال اعتماد المعطيات التاريخية المتاحة وتلك التي يكتنفها كل من التوراة والقرآن، مخالفا بذلك لعدد من الكتابات التي -وإن اعتمدت المعطيات التاريخية المتفق عليها- إلا أنها في كثير من الأحيان تغفل جانبا كبيرا ومهما من المعلومات التاريخية المنصوص عليها في الكتابين المقدسين (التوراة والقرآن).

استهل الأستاذ فؤاد بلمودن مداخلته بالإشادة بكتاب ذ. الرياحي بقوله “أن الكتاب متميز في بابه ومتفرد في موضوعه”، ليحاول بعد ذلك الحديث عن الكتاب من خلال تفكيكه انطلاقا من العنوان، حيث أن الكتاب يتناول بالدرس والتحليل شخصية بارزة في التراث اليهودي والإسلامي تتمثل في نبي الله سليمان، مرورا بالتنبيه إلى المنهج المعتمد من قبل المؤلف الذي يتجسد بشكل رئيسي في الدراسة المقارنة، وتميز بنوع من الصرامة العلمية خصوصا من حيث مقابلة النصوص التوراتية بنظيراتها من النصوص القرآنية، في محاولة لاستنطاق هذه النصوص في مجموعها لاستخلاص الفروق الأساسية بين الرواية القرآنية والسردية التوراتية، حول صورة نبي الله سليمان عليه السلام.

إن دراسة التوراة مهمة للغاية ليس فقط لفهم واستيعاب تشكل العقل السياسي والديني، بل أيضا في فهم تشكل اللاهوت النصراني أيضا، باعتبار هذا الأخير امتدادا طبيعيا للاّهوت اليهودي المؤسس عليه في أهم قضاياه العقدية. وهنا تبرز إحدى أهم الإضافات النوعية للكتاب المنعقدة بشأنه الفعالية العلمية، وهذه الإضافة تتجلى في كونه قابل بين النصوص واستنطقها محاولا بذلك فهم شخصية سليمان الملك وبالتالي فهم تشكل العقل السياسي اليهودي وما يستتبعه من تمثل لصورة هذا النبي في الوعي اليهودي والإسلامي.

ليتطرق بعد ذلك ذ. فؤاد لذكر مجموعة من الصور لشخصية نبي الله سليمان في التوراة، التي تجسد هذا النبي في صورة مليئة بالمتناقضات لدرجة أنها تنفي عنه النبوة، في حين أن الصورة التي أوردها القرآن الكريم تتناول شخصية سليمان عليه السلام بشكل أكثر اتساقا وموضوعية وواقعية، ولا تنطوي على أي غموض أو تناقض. لقد عاش سليمان عليه السلام في القرن 10 قبل الميلاد، وكانت فترة حكمه تتراوح بين 922-963 ق.م، حسب دائرة المعارف البريطانية، والتركيز على دراسة هذه الشخصية اكثر من غيرها في الدراسات اليهودية ليس منشؤه ذا طبيعة دينية فهذه الشخصية تحتل نفس القدر الذي تحتله بقية الرسل والانبياء الآخرين، ولكن مرد ذلك محاولة إحياء النزعة السياسية التي تغذيها القصص العظيمة المرتبطة بشخصية نبي الله سليمان وذلك لبناء توجه داعم لأيديولوجيا معينة تروم بناء كيان سياسي يحتاج لبعض الرموز التي تمنحه شرعية مفقودة، ومن تم بدأ الحديث عن “الهيكل” الذي هو لفظ بابلي يقصد به المعبد، وحاصل الأمر أنها محاولة لترويج مغالطة مغرضة مؤداها إضفاء الشرعية على احتلال الأراضي الفلسطينية بدعوى أنها أراض مقدسة يهودية قبل الإسلام.

في المداخلة الثالثة تطرق الأستاذ محمد ياسين لقراءة تحليلية لكتاب ذ. الرياحي المعنون ب”نبي الله سليمان..دراسة مقارنة بين التوراة والقرآن”، منطلقا في ذلك من توضيح مفاده أن الكتاب أصله رسالة علمية تمت إجازتها من قبل لجنة من الأساتذة؛ فالناظر للكتاب يجد أن صاحبه قسمه لمقدمة أتى فيها على ذكر عناصر المنهجية المعتمدة في هذا المؤلف، ثم 3 فصول وخاتمة، يتحدد الأول في سليمان في التوراة وضمنه جملة من المباحث والمطالب منها السيرة الذاتية لنبي الله سليمان، أما الثاني فخصصه المؤلف لشخصية سليمان في القرآن، الفصل الثالث زاوج بين رواية القرآن وسردية التوراة وذلك لإعمال المقارنة.

وقد أشار ذ. محمد ياسين في تحليله للكتاب أن الأستاذ الرياحي كان موفقا في إبراز التحريف والتشويه الذي قام به بنو إسرائيل حول شخصية سليمان، لإظهاره بصورة سيئة مبتذلة وغير سليمة، ذلك أن المتصفح للتوراة أو حتى للكتابات اليهودية يكتشف أن عباقرة التحريف هم بنو إسرائيل. إن تخصيص شخصية سليمان بالكتابة والتأليف دون غيره من أنبياء بني إسرائيل يجد مبرره في ارتباط هذه الشخصية ليس فقط بالتميز الديني بل أيضا بالأيديولوجيا السياسية، إذ ترتبط بهذا الاسم مزاعم بناء الهيكل الذي يروجه الكيان الصهيوني اليوم، لتبرير احتلاله لفلسطين، وبالتالي فدحض هذه المزاعم له وجاهة علمية لا يمكن التغاضي عنها.

في نهاية هذه الفعالية العلمية المحتفى فيها بكتاب “نبي الله سليمان..دراسة مقارنة بين التوراة والقرآن” تناول المؤلف الكلمة مشيرا لعدد من النقط التي يراها بارزة وكانت دافعا له في تأليفه لهذا المنتوج العلمي الرصين، لاسيما منها الدفاع عن القضية الفلسطينية بعلم وليس من منطلق عاطفي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى