
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسولنا الأمين
التربية على التطبيع
في المناهج التعليمية المغربية
– تقرير رصدي –
2020 – 2025
تقديم:
استمر الدعم الأمريكي للكيان الصهيوني سنين عديدة، وخلال السنوات الأخيرة بلغ ذروته، هدفه الرئيس هو تحقيق اندماج هذا الكيان داخل الجسم العربي الإسلامي، وإضعاف مكانة القضية الفلسطينية في وجدان العرب والمسلمين وباقي أحرار العالم المساندين للقضية، وصناعة أجيال عربية مسلمة على المقاس الصهيوني ووفق روايته.
ولهذا الغرض، فقد تم إطلاق مشروع التطبيع في نسخة جديدة تتجاوز تحقيق السلام التقليدي، كما هو الشأن بالنسبة للاتفاقيتين السابقتين مع مصر (1979) والأردن (1994)، إلى التعاون العسكري والاقتصادي والثقافي، بما يتيح للكيان فرص اخراق السياسات العمومية والمنظومات التربوية العربية، يبرز ذلك جليا من خلال اتفاقية “أبراهام” للتطبيع الشامل، التي ترعاها الولايات المتحدة وتخطط لها بضغوط اقتصادية وديبلوماسية متنوعة، عبر لقاءات سرية وعلنية بدول عربية وأوربية متعاونة، حيث أنجزت أولى خطواتها مع دولة الإمارات (غشت 2020)، ثم البحرين (شتنبر 2020)، ثم السودان (أكتوبر 2020)، واكتمل مربع التطبيع بالمغرب (دجنبر 2020)[1]. وفي السياق نفسه، تأتي المباحثات واللقاءات السرية والعلنية الآن مع دول عربية أخرى.
وتتميز اتفاقية التطبيع بين المغرب والكيان الإسرائيلي بكونها تضمن لهذا الأخير استئناف الرحلات الجوية وفتح مكتب الاتصال (في أفق فتح سفارات مكتملة)، بالإضافة إلى تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي والثقافي. ومنذ الأيام الأولى للاتفاقية، اهتم الكيان كثيرا، عبر خطوات سريعة وعملية، بتوسيع مجالات الاختراق والتطبيع على المستويين الثقافي والتعليمي والأكاديمي، وتكثيف برامج تبادل الزيارات على شتى المستويات، مع التركيز على الاختراق والتحكم في مشاريع التربية والتعليم، في مشروع جديد قديم، يعكس رغبة التحكم في عقول الناشئة وصناعة أجيال تتبنى سردياته وتتشبع بمواقفه، مع طمس هويتها وانتمائها الديني والحضاري.
ولعل هذا ما يفسر الاهتمام البالغ بقضايا التربية المدرسية في دراسات وأبحاث ومخططات النخب الفكرية والسياسية والعسكرية الإسرائيلية والأمريكية، والتي باتت مقتنعة بأن الإسلام يُكسب القضية الفلسطينية مكانة خاصة في ضمير الشعوب العربية والإسلامية، شأنها شأن المسجد الأقصى، أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما يُكسب الأجيال مناعة وحماية ضد تشويه التاريخ وبعثرة الجغرافيا، ويذكرها بمسؤليتها الدائمة في تحرير الأراضي المقدسة، ما يبرر تركيزها على إضعاف تأثير الإسلام في مناحي حياة المسلمين، وعلى الخصوص في المناهج الدراسية ووسائل التنشئة والتثقيف. علما أن هذا الإضعاف “يرتبط بالبعد الديني للسياسة الخارجية والداخلية الأمريكية، والذي يتأثر، بل يخضع لتوجهات الصهيونية المسيحية التي تؤيد قيام دولة يهودية في فلسطين بوصفها حقا تاريخيا ودينيا لليهود كما تضمنته، والتسريع بعودة المسيح”[2]. وبهذا تتوحد الرؤية المستقبلية على المستوى العقدي، لتصبح كلُّ القوى الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، الأمريكية منها والإسرائيلية، خادمة للمعتقد، وهو ما أكده رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي في تعليقه على اغتيال تشارلي كيرك في شتنبر 2025 بالقول: “شارلي كيرك كان صديقا شجاعا لإسرائيل، حارب الأكاذيب ووقف بقوة دفاعا عن الحضارة اليهودية-المسيحية….لقد فقدنا إنسانا مذهلا، وسيظل فخره بأمريكا وإيمانه بحرية التعبير مصدر إلهام دائم”.[3]
ولتقييم الوضع والوقوف عند حجم ومستوى التطبيع في المنظومة التربوية التعليمية في المغرب، يستعرض هذا التقرير جملة من المظاهر والحالات التي تعكس تجليات الظاهرة وسياقها ومآلاتها، مركزا على موضوع رئيس؛ وهو التعديلات التي مست بعض المناهج والبرامج الدراسية بالمدرسة المغربية والتي تزكي وترسخ التطبيع مع الكيان الصهيوني، مستهدفا تقديم صورة عامة عن جملة المداخل والتحولات والاختراقات التي يتعرض لها جانب من قيم هذه المنظومة. وتجدر الإشارة إلى أن ما يحدث في هذا السياق، هو اختيار رسمي واستعداد واضح للتنازل عن السيادة القيمية الوطنية، يغذيه الحرص الواضح، والتنسيق الدولي والإقليمي المحكم، والإنفاق السخي، لإطلاق مشروع تربوي وطني متكامل لما سميناه: التربية على التطبيع.
يعتمد هذا التقرير الرصدي منظورا نقديا تحليليا متعدد المداخل المنهجية، يبحث في حالات الاختراق والتطبيع في بعض المشاريع الراهنة أو قيد التنزيل، وتحليل بعض الوثائق الرسمية في منظومة التربية والتعليم (التعليم الابتدائي)، للوقوف عند نماذج من التراجعات الحاصلة في مستويات القيم الإسلامية النبيلة والمرتكزات التربوية الوطنية الأصيلة لصالح التطبيع وقبول سرديات الكيان الصهيوني وتوجهاته، وكذا الوقوف عند الاختراقات الحاصلة في المضامين والرموز التوضيحية وسيميولوجيا الصورة في بعض الكتب المدرسية والمناهج الدراسية لصالح المعتقدات والمواقف الصهيونية.
ويتضمن التقرير المعروض بالإضافة إلى تقديم عام، خمسة محاور رئيسة؛ أولها يعرض مبررات اختيار العنوان: التربية على التطبيع، والمحور الثاني يستجلي قضية استغلال المشروع الصهيوني لبعض المفاهيم النبيلة الداعية إلى السلام والتسامح لتربية الناشئة العربية على التطبيع وتقبل الكيان وسردياته، أما المحور الثالث فيعرض السياق الدولي والإقليمي للهيمنة الصهيوأمريكية ودورها في تحويل المنظومات التربوية العربية ومنها المناهج التربوية المغربية، والمحور الرابع يعد صلب هذا التقرير الرصدي؛ يعرض جملة من النماذج الواضحة لظاهرة التطبيع في النصوص الرسمية والمشاريع والمناهج ونصوص الكتب المدرسية والمواد الدراسية لبعض المسالك التعليمية (التعليم الابتدائي مثالا)، ثم محور أخير، اعتنى بتوضيح المطلوب (ما العمل؟) تجاه مآلات ومخاطر هذه الاختراقات وتأثيرها المستقبلي على الناشئة والمدرسة والمجتمع.

- مبررات اختيار العنوان: التربية على التطبيع.
اعتاد مناهضو التطبيع استعمال مصطلح “التطبيع التربوي” للتحذير من المحاولات التي تجتهد مؤسسات إسرائيلية وصهيونية، وأنظمة عربية داعمة، القيام بها لمسح التاريخ الإجرامي للكيان الصهيوني، وتربية جيل جديد من المسلمين والعرب، يقبل بالوجود الاحتلالي على الأراضي الفلسطينية، ويقبل الرواية الصهيونية للأحداث.
لكننا نرى أن مصطلح “التطبيع التربوي” المتداول إعلاميا وحتى أكاديميا، يجمع من جهة بين “التطبيع” بحمولته السلبية التي تنهل من معاني الاستسلام والخيانة، والغدر والانهزام، والخضوع والاستلاب الحضاري، وهي كلها حمولة قدحية يختزنها الضمير الجمعي للشعوب العربية والإسلامية. وبين “التربوي” باعتباره فعلا ووصفا نبيلا وعملية تحمل معاني السمو والترقي والتطور. وإكساب الأجيال أسباب القوة والتقدم والعزة والكرامة والتحرر. وبذلك فالتطبيع البشع لا يمكن أن يكون نبيلا أو تربويا.
وعبارة “التربية على التطبيع” في تقديرنا أبلغ وأدق تعبيرا. فالتربية المدرسية هي ذلك الفعل المقصود والمتدرج والمخطط له الذي يمارس على الطفل القاصر من أجل غرس توجهات وقناعات وسلوكات لتطبع شخصيته وتوجه مواقفه. وتأخذ شكل برامج ومناهج ومقررات وأنشطة مدرسية موازية أو مندمجة وغيرها. بينما التطبيع هو المضمون المُوَجِّه لتلك القناعات والسلوكات التي تضع في الواجهة معاني السلام والتسامح والتعايش، لتحقق مجموعة أهداف أهمها:
- تزييف وعي الناشئة والأجيال القادمة وفق منظومة معرفية وقيمية محددة المعالم والأسس. وغرس تصور خاص عن “التسامح” الديني والمحبة المصطنعة والمزيفة التي تضع اليهود، أيا كانوا، بما فيهم الصهاينة، في قائمة الإخوة والمؤمنين الموحدين المحبين للسلام والوئام والتعايش مع الشعوب الأخرى، بما يخدم تيار الدين الجديد المسمى “الإبراهيمية” الذي يروج له من طرف الكيان، وطمس النصوص القرآنية التي تخالف ذلك.
- تبييض صورة الكيان والسكوت عن جرائم الإبادة البشرية التي اقترفها منذ وإذكاء الطابع السلبي السائد في الوعي العربي تجاه ”إسرائيل” والصهيونية، بما يهيئ الأجواء لشرْعَنة وجوده وإقامة علاقات طبيعية معه خارج كل قواعد الأخلاق والدين والإنسانية، والاقتناع بدمجه في المحيط العربي صديقا مقربا، تفتح له أبواب الاقتصاد والسياسة والثقافة والرياضة والتربية والقيم والدين ليعبث بها كلها.
- اجتثاث القضية الفلسطينية من الوجدان والذاكرة العربية وحذف اسم فلسطين من الخرائط العربية، وإحلال ”إسرائيل” بدلا عنها، وطمس كل الحقائق والبديهيات التاريخية المتعلقة بالطريقة الاستعمارية الاستيطانية التي أقحمت الكيان في الوطن العربي، مع شرعنة أو تقبل احتلال الأرض الفلسطينية، وبالتالي التشكيك في حق الشعب الفلسطيني في مقاومة من يحتل أرضه، والاعتراف بدولة الكيان المحتل.
- استئصال مفهوم ودوافع وروح الجهاد والمقاومة من العقل والوجدان العربي، لتحل محلها مصطلحات من قبيل الواقعية السياسية والمصلحة الوطنية، في في ظل التوسع والعنصرية والمصادرة والاستيطان والتهويد اللذان يشكلان المشروع الوجودي للكيان الصهيوني.
وبالمجمل فإننا نعني “بالتربية على التطبيع” ذلك الفعل المقصود، المخطط له، والذي يتم في إطار مدرسي، معتمدا أشكالا وأساليب خاصة عبر المناهج والمقررات الدراسية، والأنشطة الموازية والنوادي التربوية، والرحلات والزيارات، والأنشطة الرياضية، وعلاقات الصداقة الدولية وغيرها، والتي تستبطن مضمونا يرتبط بالصهيونية اليهودية بشكل مباشر أو غير مباشر.
- خطر مشروع معرفي صهيوني مدعَّم، يستغل المفاهيم النبيلة لتربية الناشئة على التطبيع.
في قراءة للمعجم المستعمل في الوثائق والمخططات والمشاريع التي يتسرب من خلالها التطبيع إلى المدرسة المغربية، نجد حضورا متزايدا لمفاهيم: التسامح، التضامن، التعايش، التفاهم، السلام، الانفتاح، السلوك المدني…، وهو نفسه المعجم المعتمد في التوجهات والتوصيات الدولية والإقليمية، ويبدو ذلك في مجمله التزاما بالمعايير التي وضعتها منظمة اليونسكو فيما يتعلق بتعزيز قيم السلام والتسامح في التعليم وبالحريات وحقوق الإنسان، خاصة ما يرتبط بالأقليات الدينية. والحقيقة أن هذا الجهاز المفاهيمي المصطنع، يتضمن جملة من المفاهيم/القيم التي لا يختلف اثنان حول سموها ورقيها في مستواها المجرد، فلا يمكن لعاقل الاعتراض عليها من حيث المبدأ. لكن عندما ننتقل من الخطاب التوجيهي العام إلى البرامج العملية والتفاصيل الإجرائية نقف على حقيقة استغلال هذه التوجهات العالمية بخلفيات غير بريئة في صناعة رأي عام وتحقيق اختراق قيمي وتربوي على المقاس الصهيوني.
والحقيقة أن المغاربة يعيشون، منذ قرون طويلة، جنبا إلى جنب باختلاف دياناتهم، ويجسدون كل معاني التسامح والتعايش والاحترام المتبادل. بل إن اليهود المغاربة، الذين لا يتعدى عدد المقيمين منهم بالمغرب ثلاثة آلاف، يعيشون في مستوى اجتماعي واقتصادي مريح مقارنة مع عدد كبير من المغاربة المسلمين، ولم يشكل ذلك أي احتكاك أو رفض في المعاملات التجارية أو التعامل الاجتماعي أو الاقتصادي العام، ولم تُسجل أية أحداث حول التدافع الثقافي أو الديني. فالمغاربة وعلى مر عصور طويلة استطاعوا أن يتشبعوا بروح تقبل الآخر والعيش معه بسلام. ولعل الموقع الجغرافي للمغرب كان مساعدا على بناء هذه القيمة التي رسخها الإسلام، انطلاقا من التوجيه الرباني في القرآن الكريم الذي يدعو إلى معاملة غير المسلمين بالقسط والبر، والله عز وجل يقول في محكم كتابه: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين”[4].
فإذا كانت هذه حقيقة الوضع عبر التاريخ، فلماذا الإصرار والإفراط في طرح قيم التسامح والتعايش والسلام فيما يرتبط أساسا باليهود المغاربة لا بغيرهم؟
ومن جهة أخرى، فقد تم الوقوف على تغييرات كثيفة وإضافات في محتوى المنهاج الدراسي لمواضيع متعلقة بالتراث التاريخي والثقافي لليهود في المغرب، خاصة بعد توقيعه اتفاقية التطبيع مع الكيان. كما تنوعت الدراسات الغربية والصهيونية لتقييم المنظومة التربوية العربية، وقام باحثون إسرائيليون وآخرون متعاونون، في إطار معهد رصد السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي [5]IMPACT-SE، بفحص الكتب المدرسية المغربية حول اليهود واليهودية في دراسة تم تقديمها في العام التالي لتطبيع العلاقات. فلماذا ارتبطت هذه الإجراءات المتسارعة بزمن التطبيع؟
إن الجواب عن هذا السؤال نجده في عدة مؤشرات تبين أن هناك محاولة لاختباء الصهيونية خلف اليهودية، وأن الهدف من تلك التعديلات هو “التسامح والتعايش والسلام مع الصهيونية” وليس مع اليهود المغاربة. وهنا تفقد تلك المفاهيم “السامية” معناها، ويظهر استغلالها الماكر وتوظيفها الخادع من أجل تربية الناشئة على التطبيع مع الكيان الغاصب، وتقبل تغلغله في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتى السيادية في المغرب.
لهذا لا نستغرب اهتمام مؤسسات إسرائيلية[6]، مثل معهد الدراسات الإسرائيلي للأمن القومي، بمناهج التعليم المغربية وتأكيدها على “التطور” الذي عرفته هذه المناهج في تعاطيها مع التاريخ اليهودي. كما لا نستغرب انتقادها لعدم تناول الكتب المدرسية موضوع “الهولوكوست” و”لإظهار التعاطف مع القضية الفلسطينية”. علما أن رواية “الهولوكوست” هي المستند الأساس الذي بنت عليه الصهيونية العالمية مشروعها في البحث عن وطن يجمع يهود العالم، ولو كان ذلك باحتلال أرض وتهجير أصحابها قسرا. من جانبه، قال ماركوس شيف، الرئيس التنفيذي لمعهد IMPACT-SE [7]، “لقد أذهلنا هذا الاحتضان الفريد لليهود واليهودية في المناهج المدرسية المغربية التي تم إصلاحها”[8].
ويتضح الأمر أكثر من خلال التقرير الذي قدمه معهد “IMPACT-SE” (2024)، جاء فيه فيما يخص المناهج المصرية: “هناك إيجابية متزايدة في عرض إسرائيل، لا سيما في سياق اتفاقيات السلام”. بل إن التقرير ومن أجل “التسامح والتعايش” يطمح إلى أكثر من هذا، حيث أشاد بحذف: “العديد من الأمثلة الإشكالية المهمة، بما في ذلك خريطتان كانتا تُسمِّيان إسرائيل سابقًا باسم فلسطين أو فلسطين المحتلة”. وقد أصدرت مؤسستان[9] أخريتان تقريرا مشتركا تحت عنوان: “التعليم على السلام والتسامح في العالم العربي بعد عقدين من أحداث 11 سبتمبر “، في شتنبر 2021، انتقد بشدة كيف “أن بعض الكتب تُدرِّس أن إسرائيل تخطط لاحتلال أراضٍ من النيل إلى الفرات “. وأنها “لا تضع إسرائيل في الخرائط، بما في ذلك الدول التي كانت على سلام معها منذ زمن بعيد”. كما أوصى التقرير “بتضمين إسرائيل على الخرائط، وتعليم عملية السلام العربية الإسرائيلية، ومراجعة المحتوى الذي يصور إسرائيل أو الصهيونية بشكل سلبي، والتأكد من أن كتب التاريخ تدرس الهولوكوست بشكل مناسب”. ويقول تقرير “معهد الدراسات الإسرائيلي للأمن القومي” في مقاربته لوجود إسرائيل واليهود بالمقررات الدراسية العربية: “بفضل اتفاقيات أبراهام والحوارات الإقليمية الأخرى علينا تعزيز إصلاحات المناهج الدراسية، لتشمل المزيد من قيم السلام والتسامح والتعايش وإزالة المحتوى الضار”.
هذه مجرد أمثلة تعكس الخبايا التي تحاول المؤسسات المعرفية الدولية التي يختبئ فيها الصهاينة، بالتباس متعمد، حمل لواء السلام والتسامح والعيش المشترك، والدفاع عن الأقليات اليهودية المتصهينة في مختلف الأوطان العربية والإسلامية، فيما تكمن غايتها الأساس في تربية الأجيال القادمة على تقبل الصهيونية والتسامح مع جرائم الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وعدم التفكير في تحرير الأقصى من يد الغاصب، في الوقت الذي يصر الكيان المحتل على الاحتفاظ بمنظومته القيمية بكل أبعادها العنصرية والعدوانية والتمييزية، بما فيها من دعوة إلى التنكيل بالفلسطينيين وقتلهم أو شنقهم أو ترحيلهم، وإرغامهم على الاعتراف بأن السلام هو تسليم العرب بالسيادة الإسرائيلية على فلسطين “أرض إسرائيل” بما في ذلك الضفة الغربية وقطاع غزة، بل “أرض الميعاد” و”إسرائيل الكبرى” من النهر إلى النهر .
وبناء عليه، فإن المشاريع المغلفة بالسلام والتسامح والتعايش حتى وإن كانت رسمية، أو بمبررات تحقيق بعض المصالح الوطنية، ينبغي ألا تحجب خطورة مخططات وطموحات الاختراق الصهيوني لعقل ووجدان الطفولة المغربية، وأن المنظمات الصهيونية المختصة في الهندسة التربوية أصبحت طرفا أساسيا في مراجعة وتنقيح البرامج تحت ذريعة “الإرث الثقافي لليهود المغاربة”.
- سياقات مشروع التربية على التطبيع.
- السياق العام: الهيمنة الصهيوأمريكية ومحاولات إقبار القضية الفلسطينية.
لا تنفك ملابسات التحولات القيمية في المنظومة التربوية في المغرب عن السياق الحالي، الدولي والإقليمي، الموسوم بالتفوق والهيمنة الأمريكية، بل الغطرسة والتجبر، وإطلاقها ليد الكيان للتحكم في المخططات والمشاريع والبرامج والسياسات العمومية للدول العربية الإسلامية، وإرغامها على تطبيع العلاقات العامة، والالتزام بالتعاون المتنوع في شتى المجالات لضمان تفوقه في المنطقة وتأمين قدرته على مواجهة كل تهديد محتمل.
يأتي مشروع التربية على التطبيع في سياق هذا التآمر الدولي الكبير، الذي يركب مسلك المواجهة الحضارية الشاملة، لمجابهة تصاعد المد الإسلامي باعتباره، من منظور القوى الغربية، النقيض الضدي لأطروحات إعادة بناء العلاقات الدولية لما بعد النظام العالمي الجديد. وانسجاما مع التصور الأمريكي لما بعد أحداث 11 شتنبر 2001، القاضي بواجب تدخل الولايات المتحدة وحليفها في المنطقة (الكيان الصهيوني) في السياسات الرسمية العربية للقضاء على كل ما من شأنه المساهمة في بناء وعي مقاوم للهيمنة والتسلط الأمريكي الصهيوني.
وبالنظر إلى مركزية القضية الفلسطينية في الصراع الحضاري المزعوم[10]، وبعد نجاح التعاون الأمريكي الإسرائيلي في حصار غزة لتأليب سكانها ضد حكومة حماس[11]، وبعد السيطرة الأمنية على الضفة الغربية وضمان حسن سير خطة التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية لرصد النشطاء والمقاومين وملاحقتهم، أعلن الكيان نيته تصفية القضية الفلسطينية من الضمير العربي والحراك الشعبي، باختيار خطة الهجوم بدل الدفاع، والدخول على الشعوب العربية من بوابة سياساتها العمومية الوطنية؛ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وجعلها في مهب التوجهات والرواية الصهيونية، فكان حظ السياسات التعليمية في البلدان العربية وافرا.
وقد ارتبطت مصالح الكيان في تصفية القضية الفلسطينية بمصالح الولايات المتحدة في تحجيم وطمس الهوية الحضارية الإسلامية، الباعثة على المقاومة والتنافسية والاعتزاز بالانتماء، فقامت هذه الأخيرة بأدوار خبيثة في إرغام الأنظمة العربية على التطبيع مع الكيان، مستعملة في ذلك كل وسائل الإغراء والتهديد والوعيد، في مسلسل متنوع الأوجه، طرفاه العصا والجزرة.
ولا يخفى أن القضية الفلسطينية تعد محور اهتمام الغرب والولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سواء باعتبارها مركز الصراع العربي الإسرائيلي، أو باعتبارها مسألة وجود بالنسبة للكيان الصهيوني، المتحكم عبر لوبياته المتنوعة في جل مراكز القرار الدولية، لذلك تحرص الدول العظمى في الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة على تجسيد التزاماتها أمام الكيان باقتراح مشاريع اقتصادية واجتماعية وجيواستراتيجية لإدماج الكيان في الجسم العربي، سواء من خلال “قمم” دولية أو “مؤتمرات” أو “مبادرات سلام” كما يتم تسميتها أحيانا، وهنا يمكن استحضار مخطط جورج بوش للشرق الأوسط الكبير (2005)، ورغبة الولايات المتحدة في إعادة هيكلة المنطقة بما يخدم استراتيجيتها الجديدة لمحاربة الإرهاب كما تدعي، وذلك عبر إحداث إصلاحات هيكلية في الأنظمة السياسية والاقتصادية والتعليمية للدول العربية والإسلامية في المنطقة.
ومع مطلع سنة 2020، وفي ظل اجتياح وباء كورونا وما خلفه من انشغال عالمي عن القضايا السياسية الدولية والوطنية، قامت الإمارات العربية المتحدة بأدوار تاريخية في إنجاح التطبيع في نسخته الحالية، فهي التي اقترحت على الكيان برعاية الولايات المتحدة[12]؛ “صفقة” جديدة وخيارا بديلا ومغريا[13]، مقابل العدول عن التهديد ببسط السيطرة القانونية والعملية على أجزاء جديدة من الضفة الغربية، تهديد يبدو وفق الوقائع الميدانية على الأرض[14]، وكأنها مناورة إسرائيلية مكشوفة، لإرغام العرب على المسارعة إلى تقديم امتيازات ومساحات تفوق جديدة لصالح الكيان[15]، مع ضمان السكوت عن جرائم الكيان في الأراضي الفلسطينية، والاستعداد للتعاون الأمثل للقضاء على المقاومة، وقبول الكيان رسميا (عبر التزامات مكتوبة) كشريك وصديق للأنظمة العربية الجديدة، سواء في الشرق الأوسط أو الخليج العربي أو شمال إفريقيا.
- السياق الخاص: المشروع المعرفي الصهيوني للتربية على التطبيع.
لم تكن الممارسات الصهيونية ولا المشاريع الأمريكية الخاصة بالمنطقة، في يوم ما، مفصولة عن المخطط الاستراتيجي للكيان ولا عن مفاسد معتقداته؛ على رأسها تحقيق قاعدة وبروتوكول كبيرهم الذي علمهم الشر “دافيد بن غوريون” مؤسس الكيان الصهيوني وأول رئيس وزرائه: “الكبار يموتون والصغار ينسون“، وهي القولة التي أطرت أطروحات كبراء منظري الكيان ومراكز البحث الرسمية، خاصة التابعة للجيش أو المؤسسات الدينية المتشددة، وهي نفسها القاعدة المعتمدة في كل المشاريع الأمريكية الموجهة للمنطقة العربية، لكون الإدارة الأمريكية، رغم تنوع الوجوه فيها، مقيدة بتقارير وتوصيات الفرق المساعدة من الباحثين والخبراء المتشبعين بفكر الهيمنة والتفوق والحفاظ على مصالح الكيان.
وانسجاما مع قاعدة بن غوريون المذكورة، تركز كل مراكز ومؤسسات وفرق الخبرة على دراسة الفئات العربية الشابة والفتية، وفهم عناصر شخصياتها ومركباتها النفسية ودوافعها السلوكية، بالإضافة إلى فهم مكونات الخطاب المؤثر فيها، وذلك من خلال العكوف على تحليل مكونات ومناهج التربية والتعليم، وآليات التعبئة والتثقيف. وهو ما حصل بخصوص مخطط الشرق الأوسط الكبير، الذي خصص الجانب المتعلق بالإصلاحات الاجتماعية والثقافية لإصلاح التعليم الأساسي، وربط التعليم بشبكة الأنترنت، لتسهيل التحكم والضبط المعرفي والفكري.
وفي السياق ذاته، دعت دراسةٌ[16] صادرة عن معهد الدراسات الإسرائيلي للأمن القومي سنة 2018، إلى إحداث تحوّل جذري في مناهج التعليم والتثقيف في العالم العربي، للتحكم وتوجيه مواقف الرأي العام تجاه إسرائيل، بما يصنع أجيالا هجينة تسمح للحكومات وأصحاب القرار بالجرأة على اتخاذ مبادرات التطبيع العلني. علما أنه وبحسب الدراسة نفسها: رغم توسع مظاهر التعاون السري وتعدد أنماط الشراكات بين حكومة الكيان وبعض الأنظمة العربية، فإنّ هذه الأخيرة تبقى واعية بكون قراراتها هذه لا تعبر عن الرأي العام الشعبي وضمير الأمة الرافض لأي تطبيع مع الكيان الغاشم. ولم تغفل الدراسة الإشارة إلى «أنه حتى نظام الحكم في مصر والأردن، المرتبطان بعلاقات أمنية واستخبارية وعسكرية قوية مع إسرائيل، فإنهما يحرصان على عدم الإفصاح عن هذه العلاقات»، وذلك خوفًا من المعارضة الشعبية العربية ضد التطبيع[17]. ولا تكتفي مراكز البحث والدراسة بتوجيه التعليم فقط، بل تهتم بالدراسات والبحوث والمسوح المخصصة لتوسيع دوائر القبول برواية الكيان ومسؤوليه وسياساته، كالمعهد الإسرائيلي البريطاني IMPACT-se الذي يدعي أنه يعمل على “مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي من خلال فحص المناهج الدّراسيَّة”. ويهدف إلى منع ما يعتبره تطرُّفا لدى الأطفال والشَّباب باعتبارهم أكثر الفئات المجتمعيّة ضعفًا، كل ذلك طبعا من أجل مصالح الكيان والدول العظمى الصديقة.
وجل هذه المؤسسات والمراكز تشتغل وفق الضوابط المنهجية والقواعد العلمية المعروفة، وتعتمد المفاهيم الكونية المتداولة، لكن –وكما وضحنا سابقا- في سياق تجريف كل ما من شأنه التشكيك في الأساطير المؤسسة للسرديات الصهيونية، في أفق التأسيس لبناءات عقدية وفكرية وعاطفية تسمح بشرعنة البعد الوجودي للكيان الصهيوني، وتزييف وعي الناشئة التعليمية بما يحقق قبول التعايش مع الكيان.
- تجليات التربية على التطبيع في المناهج الدراسية بالمغرب (نموذج التعليم الأولي والسلك الابتدائي):
من المعلوم في الأدبيات التربوية أنّ المنهاج الدراسي ليس مجرد محتويات دراسية أو إجراءات بيداغوجية، بل هو إطار استراتيجي ورؤية حضارية شاملة، يُحدِّد الغايات الكبرى للتعليم، ويُؤسّس للبنية الفكرية والقيمية، ويُسهم في بناء الشخصية المستقلة وصياغة الوعي الجمعي. ومن ثمّ فإن خطورته لا تكمن في كونه وعاء لتمرير المعارف وتطوير المهارات، بل باعتباره البيئة الحيوية لغرس القيم والبواعث والأرضية الأساس التي تنشأ عليها الأجيال وترسم فيها ملامح الأجيال القادمة، وتكتب عليها صفحات المستقبل.
غير أنّ هذه المكانة المركزية جعلت المناهج الدراسية البوابة الأبرز لمحاولات الاختراق والتوجيه الخارجي، حيث تدرك قوى الهيمنة أنّ التحكم في الشعوب يبدأ من المدرسة، وأن صياغة الوعي الناشئ أكثر نجاعة من السيطرة العسكرية المباشرة. وهو ما يتجلّى في محاولات الاختراق الصهيوني للمناهج الدراسية، خاصة في العالم العربي، بغية خلق أجيال لها قابلية شديدة للاستعمار. ومن هنا فإنّ معركة تحصين المناهج وحمايتها من التوجيه الخارجي ليست مسألة تربوية بحتة، بل معركة حضارية وسيادية حاسمة.
برزت خلال السنوات الأخيرة في بعض المضامين الدراسية مظاهر متزايدة للتربية على التطبيع، تحت ذرائع التربية على التسامح والعيش المشترك وروافد الهوية المغربية ونبذ التطرف والعنف وغيرها من المفاهيم الجديدة.
وقد أثارت هذه الإجراءات المتسارعة والتغييرات غير المفهومة، جملة من الاستفهامات والتخوفات والأسئلة حول مستوى تقدير صناع القرار التربوي بالمغرب لمسؤولياتهم التاريخية وأمانتهم الدينية والوطنية والخلقية، وحول حدود استقلالية المنهاج المغربي، وقدرته على تحصين الأجيال من الاختراقات الفكرية والثقافية التي تستهدف إعادة تشكيل هويتهم ومواقفهم من قضايا الأمة المصيرية.
لذلك يهدف هذا المحور إلى تحليل مظاهر التربية على التطبيع في المناهج الدراسية، والكشف عن خلفياتها وآلياتها، متسائلا عن السبيل إلى مناهج متينة تُعبّر بصدق عن هوية الأمة وآمالها، وتُحصّن الأجيال من كل محاولات التوجيه والهيمنة الناعمة.
أولاً\ الزحف على أسس الدين الإسلامي، نموذج التعليم الأولي.
تحظى مرحلة الطفولة المبكرة بعناية خاصة وتركيز شديد من لدن الوالدين والمربين ومؤسسات التنشئة ووسائل الإعلام والتأثير، وما ذلك إلا لأن الملامح الأساسية للشخصية تتشكل في هذه المرحلة، ولأن عوامل التأثير والتوجيه تكون أقوى وأعمق وأرسخ في النفوس الغضة والعقول الطرية.
لذلك دأب المغاربة، كما عموم المسلمين، عبر الأزمنة والأمصار على تسليم أطفالهم مبكرا إلى المساجد القريبة والكتاتيب القرآنية والرياض الخاصة والتي عُدت المحاضن الأولى للطفولة والبنيات التعليمية الأولى التي تستقبل البنين والبنات فيكون أولَ ما يلامس فطرهم ونفوسهم آيات من كلام الله تعالى يأخذونه بالتلمذة والتشرب، ومنه وبه يتعلمون الهجاء ويكتشفون قواعد اللغة وأساليب العربية، ومعه أيضا يتذوقون أشكالا من منظوم الكلام وروائع الشعر ومنتخبات المديح. غير أنه – واستكمالا للمهمة الاستعمارية – حرص حلفاء المحتل المباشر وخلفاؤه من بعده وخدام مشروعه – أول ما حرصوا – على استهداف التعليم المسجدي وإبعاده وإلغائه، بل ومحاربة كل محاولات إحيائه، وشنوا حملات شعواء ومخططات رهيبة لوأد البقية الباقية من بعض آثاره وملامح ظهوره وانتشاره.
واستمرارا في دركات الانحدار وتنفيذا لمخططات الهيمنة الصهيونية وخدمة لمشاريعها الاستئصالية، أقدم صناع القرار التربوي على خطوة شاذة ومنحرفة، وفي تجاوز لكل المرجعيات التربوية والمؤطرات المنهاجية إلى إقحام ما عرف بالإطار المنهاجي للتعليم الأولي، والذي جاء في حقيقته استجابة لإملاءات خارجية وضغوط من المؤسسات المانحة التي تلعب دورًا محوريًا في توجيه السياسات التعليمية بالمغرب. على الرغم من المبررات والمسوغات التي تم الترويج لها من قبيل توحيد أنماط التعليم ما قبل المدرسي والارتقاء بجودة مكتسبات المتعلمين والانفتاح على المقاربات البيداغوجية النشطة وتحقيق الإنصاف التربوي.
غير أن الحقائق الميدانية بينت أن الغرض المبطن كان هو محاربة التعليم القرآني ومحاصرة المبادرات المجتمعية والتحكم في توجيه العقول والنفوس والفطر، وسرعان ما سيصير تدبير هذا القطاع موكولا إلى جهات معروفة بعدائها الصريح للدين وللغة العربية وللهوية الإسلامية، مقابل انحيازها للمشروع الصهيوني وخدمتها لأجنداته وإعداد المناخ المناسب لترسيخه، كما ستستفيد مؤسسات أخرى من الريع المخزني ومنطق المحسوبية وغياب المحاسبة والشفافية.
عرف منهاج التربية الإسلامية في التعليم الأولي تغييرات جذرية وتحويرات خطيرة بين موجهات “الكتاب الأبيض” (2002) و”الإطار المنهاجي للتعليم الأولي” (2018). نورد بعضها كما يلي:
| المجالات | الكتاب الأبيض | الإطار المنهاجي للتعليم الأولي (2018) |
| أهداف التعليم الأولي
|
· تحفيظ الأطفال سورًا قصيرة من القرآن الكريم مع تفسير معانيها البسيطة.
· تعليم المبادئ الأساسية للعقيدة الإسلامية مثل الشهادتين. · تعويد الأطفال على أداء العبادات والسلوكيات الإسلامية مثل الوضوء والصلاة. · تعزيز الهوية الإسلامية من خلال الاحتفال بالمناسبات الدينية (عيد الفطر، عيد الأضحى، المولد النبوي، عاشوراء). · غرس القيم الأخلاقية مثل الصدق، الأمانة، احترام الوالدين والمعلمين. |
· ترسيخ القيم الإسلامية من خلال مواقف حياتية يومية، وسياق أشمل يشمل مبادئ العيش المشترك.
· تعزيز مبادئ العيش المشترك من خلال إدماج التربية الإسلامية في القيم العامة. · تعزيز التعلم من خلال التجربة والممارسة اليومية بدلاً من التلقين المباشر. · غرس قيم التعاون، التسامح، احترام البيئة، والتواصل الإيجابي. · إدماج التربية الإسلامية ضمن القيم العامة بدلاً من تقديمها كمادة مستقلة. |
| مكونات المنهاج | · القرآن الكريم: تحفيظ سور قصيرة مع شرح مبسط.
· القيم والعقائد: تعليم الأطفال أركان الإسلام، الوضوء، الصلاة، التحية الإسلامية، وبعض القيم الأخلاقية. · الاحتفالات الدينية: الاحتفال بالمناسبات الإسلامية لتعزيز الهوية الدينية. |
·غياب الإشارة مطلقا إلى أي مكون مرتبط بالدين أو الإسلام، بحيث تم الاكتفاء بمجال تعلمي عام وفضفاض تحت مسمى وقواعد العيش المشترك والتي تم تعريفها على أنها مجموعة من الأنشطة العملية التي تروم تنمية الجانب الوجداني والاجتماعي وتحسس الطفل ببعض السلوكات التي يتعين عليه اكتسابها تدريجيا. |
|
التدبير الزمني
|
· الزمن الأسبوعي: ساعتان موزعتان على 5 حصص.
· القرآن الكريم: 4 حصص أسبوعيًا (25 دقيقة لكل حصة). · القيم والعبادات: حصة واحدة (20 دقيقة). |
· تتكون السنة الدراسية من ثلاثة مشاريع موضوعاتية، كل مشروع يضم ثلاث مكونات فرعية. مدة تقديم كل مشروع للأطفال بالتعليم الأولي 10 أسابيع.
· خصصت 3 دروس فقط للقيم الدينية هي ضمن مجال بناء القيم وقواعد العيش المشترك. |
يقدم الإطار المنهاجي تبريرا غريبا لهذا الاختيار الممعن في إقصاء مكون التربية الإسلامية من التعليم الأولي وتعويمها ضمن مجال هجين أطلق عليه اسم “قواعد العيش المشترك “، مما يعزز فرضية قطع الناشئة عن مصادر هويتها الإسلامية ومنابع الوحي الشريف والسيرة النبوية، بحيث تقر الوثيقة المنهاجية أن الهدف الأساس من إدراج هذا المكون هو جعل المتعلم “مهيئا لاستقبال وتقبل القيم الدينية والوطنية وقواعد العيش المشترك… وتحسيس الطفل منذ الصغر بمختلف مكونات الهوية الثقافية لسياقه الاجتماعي، وذلك من خلال تهيئته لاستكشاف مقومات النسق السوسيوثقافي والديني لبلده، وذلك في أدنى المستويات وأبسطها من حيث العناصر المعرفية المستهدفة أو معارف الفعل التي يراد من الطفل (ة) أن يطبقها “[18].
ثانياً– نماذج من تجليات التربية على التطبيع في مناهج التعليم بالسلك الابتدائي.
شهد التعليم الابتدائي بالمغرب خلال العقدين الأخيرين سلسلة من التغييرات العميقة، انطلقت من مراجعات شاملة للمناهج والمقررات التي أوصى بها الميثاق الوطني للتربية والتكوين، وجسدتها المبادئ والاختيارات والمضامين التي قررها “الكتاب الأبيض”، ليستمر مسلسل تنقيح البرامج والمناهج وتكييفها تبعا للتوجيهات الخارجية أو استجابة لسياقات وطنية و إقليمية أو دولية، وصولًا إلى التجربة الحالية لمشروع المؤسسات الرائدة الذي اعتبره واضعوه نموذجا بيداغوجيا ومنظورا متكاملا لرفع جودة التعليم والتحصيل الدراسي، خصوصاً في التعلمات الأساسية، والحد من التعثر المدرسي، وتحسين البيئة التعليمية.
لم تقتصر هذه التغييرات على تحديث المضامين أو تحسين الكفايات البيداغوجية، بل مسّت المرتكزات القيمية والثقافية والدينية للمجتمع المغربي، حيث أُدرجت مفاهيم جديدة مثل “التنوع الثقافي”، و”المواطنة الكونية”، و”التعايش بين الأديان”، بالمقابل جرى تهميش أو حذف موضوعات أخرى كانت تشكل جزءًا من المرتكز القيمي والمحدد الهوياتي، وعلى رأسها مركزية القضية الفلسطينية وعمق الارتباط الوجداني للمغاربة بالقدس الشريف والدفاع عن حق الفلسطينيين في قضيتهم العادلة.
ورغم أن بعض هذه التغييرات تبرَّر في الخطاب الرسمي بضرورة الانفتاح على القيم الكونية والاستجابة لتحديات العولمة، فإنّ سياقها الزمني والسياسي لا يمكن عزله عن التحولات التي عرفها المغرب على مستوى السياسة الخارجية، والتي مهد بعضها لتوقيع اتفاقيات التطبيع مع الكيان الصهيوني (2020). إذ يذهب عدد من الباحثين إلى أن هذه المراجعات التربوية شكّلت تهيئة مبكرة لإعادة هندسة الوعي الجمعي للأجيال الناشئة، وفتح الطريق أمام إدماج سرديات ومضامين تخدم أجندة التطبيع الناعم[19].
سنحاول هنا تتبع بعض تجليات التربية على التطبيع في المناهج التعليمية في السلك الابتدائي، وذلك من خلال تحليل نماذج محددة من المقررات المعتمدة، ورصد كيفيات تغييب فلسطين، وإبراز المكوّن اليهودي المغربي بصيغة احتفائية لفسح المجال للجرثومة الصهيونية، وتوسيع خطاب التعايش دون ضوابط، وتقليص الحضور القيمي للتربية الإسلامية، بالإضافة إلى إدراج ملفات رمزية حساسة مثل “الهولوكوست”. والغاية من ذلك ليست مجرد وصف التغييرات، بل تفكيك خلفياتها ودلالاتها التربوية والحضارية، وإبراز خطورتها في تشكيل وعي جيل المستقبل.
- التغييب الممنهج للقضية الفلسطينية من المقررات التعليمية
تكشف الطبعات الأولى لمقررات التعليم الابتدائي (2002) التي جاءت عقب اعتماد الميثاق الوطني للتربية والتكوين عن حضور- ولو خافت- للقضية الفلسطينية وللقدس خاصة. فنجد مثلا في كتاب اللغة العربية للمستوى الرابع نصّاً يحكي عن شجاعة طفل فلسطيني يواجه دبابة الاحتلال بالحجارة [20]. كما احتوى كتاب التربية الإسلامية على دروس تحث على نصرة المظلومين والدفاع عن المقدسات الإسلامية، مع صور للمسجد الأقصى والعلم الفلسطيني. وقد كانت هذه النصوص ترافقها تمارين وأسئلة تشجع التلاميذ على التفكير في التضامن مع الفلسطينيين، مما يعكس وعيًا بأن المدرسة تستحضر القضية الفلسطينية سواء في بعدها الديني أو العربي.
غير أنه وابتداء من سنة 2010، بدأت إزاحة تدريجية لفلسطين من المقررات. فتم حذف نصوص تذكر بالحق الفلسطيني، وتم تغييب سور وآيات تتحدث عن الجهاد ومقاومة الظلم، كما تم السكوت عن دلالات بعض الآيات التي تشير إلى اليهود في القرآن الكريم، كقوله تعالى في سورة الفاتحة “غير المغضوب عليهم ولا الضالين”.
وفي المناهج المنقحة سنة 2015، لم تبق سوى إشارات رمزية عابرة للقدس دون تسمية الاحتلال. ومع إرهاصات التوقيع على اتفاقية التطبيع مع الكيان الصهيوني تم تسجيل غياب شبه كامل للقضية الفلسطينية ولرموز المقاومة والمقدسات في فلسطين، وحل محلها محتوى عائم وهلامي يتحدث عن قيم التضامن مع ضحايا الزلازل أو الأطفال الفقراء. حتى الصور التي كانت تبرز الأقصى أو العلم الفلسطيني اختفت، لتحل محلها صور كونية بلا انتماء. هذا التحول يكشف عن مسار واعٍ لإخراج فلسطين من المخيال الطفولي للتلميذ المغربي.
لم يقتصر التغيير على حذف النصوص، بل مسّ المعجم القيمي برمته. فقد غابت مفردات مثل “الشهيد” و”التحرير”، لتحل محلها الكلمات الملتبسة مثل “السلام” و”التعايش” و”المواطنة الكونية”. هذا التحوير يعكس انتقالًا من تربية على المقاومة إلى تربية على التطبيع، بحيث يُدرّب الطفل على التعاطف مع أي ضحية دون سياق سياسي. وبذلك يُعاد تشكيل الوعي القيمي بحيث لا يرى في فلسطين قضية تحررية، بل نزاعًا مجردًا يمكن تجاوزه بالحوار.
في مقابل تغييب فلسطين، أُدرج التراث اليهودي المغربيبشكل غريب ولافت في مقررات الصفين الخامس والسادس (2020)، كما أكدت رويترز في تقريرها.[21] وقد قدمت الوزارة الخطوة بوصفها إبرازًا للتنوع الثقافي والهوية الوطنية متعددة الروافد، لكن الإشكال أن هذا الإدماج جاء مع غياب فلسطين. فالطفل المغربي يتعلم أن اليهودية جزء من هويته الوطنية، بينما لا يتعلم شيئًا عن فلسطين كقضية مركزية. هذا الانزياح يترجم ما يسميه حمداوي “الاختراق الصهيوني” الذي يستبدل صورة العدو بصورة الجار[22].
وقد شكل هذا التغييب الممنهج للقضية الفلسطينية موضوع إشادة واحتفاء من لدن الصهاينة ممثلا في معهد IMPACT-SE من خلال إشادته بالمناهج المغربية، معتبرًا أنها لم تعد تحتوي على خطاب عداء لإسرائيل، وأنها أدرجت المكون اليهودي بصورة إيجابية، كما تمت الإشارة إلى ذلك سلفا (التقرير الخاص 2023)[23] ، مما يزكي القول بأن تغييب القضية الفلسطينية جاء استجابة ضمنية لهذه التوجيهات الخارجية. ولأن التغييرات تزامنت مع توقيع اتفاقيات التطبيع (ديسمبر2020)، فإن المدرسة المغربية المفروض أن تكون صدى للوجدان المجتمعي للشعب المغربي قد صارت رهينة وجزءً من التزامات سياسية ودبلوماسية.
إن تغييب القضية الفلسطينية من المقررات الابتدائية بالمغرب ليس مجرد خيار بيداغوجي، بل هو مشروع سياسي–ثقافي لا يمت للهوية المغربية الأصيلة في شيء، بل إنه يعيد ترتيب سلم القيم والرموز في المدرسة، فمن نصوص المقاومة والتضامن مع فلسطين في مطلع الألفية، إلى الغياب الكامل في السنوات الأخيرة، ثم إدماج التراث اليهودي كبديل رمزي.
- إقحام التراث اليهودي لتعبيد الطريق للصهيونية.
في مقابل تغييب شبه تام لفلسطين من المقررات الدراسية، شهدت المناهج المغربية منذ سنة 2020 خطوة لافتة، تمثلت في إدماج التراث اليهودي المغربي ضمن مقررات التعليم الابتدائي، وبالخصوص في صفوف المستويين الخامس والسادس. فقد أعلنت وزارة التربية الوطنية، في سياق مراجعة المقررات، عن إدراج دروس جديدة تعرف بالتاريخ والثقافة اليهودية المغربية.
وبالفعل، تضمنت بعض المقررات نصوصًا وصورًا تعرف بالتقاليد اليهودية المغربية، مثل إدراج نص سماعي بالسنة الرابعة ابتدائي حول الاحتفال الديني كما هو منصوص عليه في الأصول التوراتية تحت عنوان “ميمونة “[24]. واحتفت بشخصيات يهودية قديمة ومعاصرة باعتبارها جزءًا من النسيج الوطني، لدرجة أنه تم تغيير طبعات بأكملها من أجل إضافة عبارات مخصوصة فقط، حيث الزيادة شملت في كثير من المضامين إضافة عبارة “وهو يهودي مغربي”، من غير تغيير في باقي المكونات، مع الادعاء انها طبعات مزيدة ومنقحة[25]. كما أكدت تصريحات رسمية أنّها تعتزم توسيع استراتيجيتها في نشر الثقافة اليهودية وتعميق ارتباط الناشئة بها من خلال مجموعة من الاتفاقيات مع جمعيات يهودية تشتغل في هذا المجال. حيث أكد وزير التعليم في تصريح له مع جريدة هسبريس الالكترونية أن هذه الاتفاقيات “تضمن تعميم أندية التسامح والتعايش في التنوع” داخل المؤسسات التعليمية، كما تنص أيضا على انفتاح المدرسة المغربية على مؤسسة بيت الذاكرة بتنظيم زيارات لتلاميذ المدارس لهذه المعلمة الثقافية، وكذا القيام بأنشطة مشتركة من خلال برنامج عمل سنوي يتضمن لقاءات علمية وأدبية وثقافية وفنية حول التسامح والتعايش في التنوع، وأيضا الإشراف المشترك على مشاريع بحثية حول الموضوع.[26]
لقد سبقت الإشارة إلى تعايش المغاربة التاريخي، والذي ينفي جدوى إقحام التراث اليهود بهذه الطريقة الفجة، ما يؤكد الكيل بمكيالين، سواء في التعامل المجحف مع باقي مكونات الهوية المغربية، وذلك لمصلحة الكيان على حساب المكونات المغربية الأخرى، أو على حساب القضية الفلسطينية وعدالتها: حضور مكثّف للتراث اليهودي دون تمايز عن الصهيونية اليهودية، في مقابل صمت تام عن القضية الفلسطينية، مع تغييب الأبعاد الأخرى للهوية المغربية كالبعد العربي والإفريقي والاندلسي والأمازيغي وغيرها.
إن هذا الاختيار يحمل دلالات رمزية عميقة، إذ يزرع في وعي الطفل المغربي أنّ اليهودية، ودون تمييز بينها وبين الصهيونية الاستعمارية، مكوّن أصيل من هويته، بينما تغيب فلسطين ومقدساتها، وبذلك، تجد الصهيونية الطريق معبدا لتكون بديلا رمزيا يعيد ترتيب سلّم الرموز في المخيال الجمعي الناشئ، بحيث يُستبدل العدو التاريخي بصورة الجار المألوف. مما يشكل عملية استبدال مواقع الرموز في اللاوعي التربوي.
جدير بالذكر أنّ هذه الخطوة، بما تخدم من مصالح استراتيجية للكيان، حظيت بإشادة واسعة من جهات صهيونية ودولية. فقد أكدت وكالة رويترز (مارس 2021) أنّ المغرب أصبح أول بلد عربي يدرج بشكل رسمي “التاريخ اليهودي” في مقرراته، معتبرة ذلك “قفزة نوعية في مجال التعايش”. كما اعتبرت مجلة تايم أوف إسرائيل هذه القرارات بمثابة “تسونامي”. فقد قال الأمين العام للجالية اليهودية في المغرب إن القرار “بمثابة تسونامي”؛ تغيير المناهج الدراسية للمرحلة الابتدائية يهدف إلى “تسليط الضوء على التنوع في الهوية المغربية[27].
أما داخليًا، فقد أثارت هذه المستجدات ردود فعل متباينة، حيث أصدرت النقابة الوطنية للتعليم (2025) بيانًا عبّرت فيه عن رفضها إدراج التراث اليهودي دون تأطير يوضح الطابع الاستعماري للمشروع الصهيوني، معتبرة الخطوة شكلًا من أشكال “التطبيع التربوي”[28]. كما نشرت بعض المنابر الإعلامية مقالات تحذّر من خطورة هذا التحول على وعي الأجيال الصاعدة، ورأت فيه تهديدًا مباشرًا لاستقلالية القرار التربوي المغربي.
إن إدماج التراث اليهودي في المناهج، وإن كان من الممكن أن يُقرأ في سياق إبراز التنوع الثقافي المغربي، فإنه في غياب التحذير من المشروع الصهيوني الخبيث وغياب أي تمثيل أو إشارة للقضية الفلسطينية، وفي خضم الاستحضار غير المتكافئ للأبعاد الأخرى للهوية المغربية حسب أوزانها ومستويات تمثيلها في النسيج الحضاري والتاريخي للمغرب، يتحول إلى آلية رمزية لإعادة تشكيل هوية مستلبة وترسيخ قيم مشوهة. فالمدرسة هنا لا تقدم فقط معرفة بالآخر، بل تعيد تعريف الذات في ضوء الآخر، على نحو يجعل الطفل المغربي يتشبع بقيم الانفتاح على الصهيونية من غير أن يتعرف على الحق الفلسطيني باعتباره قضية عادلة. وهذا ما يبرر القول إن هذه الخطوة تعد عنصرا حاسما للتربية على التطبيع، والتي تُهيئ الأجيال للتعايش مع الكيان الصهيوني بوصفه واقعًا طبيعيًا لا مشروعا استعماريا قائما على الإبادة والتهجير وغصب الحقوق.
ج- تحوير المعجم القيمي والتربوي.
يُعدّ المعجم التربوي جوهريًا في أي منهاج دراسي، إذ لا ينقل المعرفة فقط، بل يبني شبكة القيم التي يتشربها المتعلم. ومن هنا، فإن أي تحوير في المفردات المستعملة بالمقررات الدراسية يكشف بالضرورة عن تحوير في الرؤية القيمية التي تسعى المدرسة إلى ترسيخها. وفي السياق المغربي، يُلاحظ أنّ المراجعات الأخيرة لمقررات التعليم الابتدائي (2018–2022) لم تكتفِ بحذف النصوص المرتبطة بفلسطين، بل عملت أيضًا على إعادة تشكيل المعجم القيمي برمته، بحيث جرى تفريغ الذاكرة اللغوية للتلميذ من المفاهيم المرتبطة بالمقاومة والتحرر، وتعويضها بمصطلحات صفرية خالية من أي انتماء أو فضفاضة.
وقد كشفت المراجعات التي عرفتها مناهج التعليم الابتدائي بالمغرب منذ مطلع الألفية الثالثة أنّ تغييب القضية الفلسطينية لم يتجسد فقط في حذف بعض النصوص أو الصور، بل امتد إلى تحوير المفاهيم والمصطلحات الأساسية وتحريفها، كما تم تقليص منهاج التربية الإسلامية في الإعدادي والثانوي من 42 درسا إلى 20 درسا. كما تم المحو التدريجي لعبارات من قبيل: شهيد، احتلال، مقاومة، جهاد، …. لتعوضها بكلمات ذات طابع فضفاض وملتبس مثل: السلام، التعايش، المواطنة الكونية. هذا التحوير في اللغة لم يكن مجرد استبدال عرضي، بل اشتغالا بيداغوجيا مقصودا غايته الانحراف بالناشئة عن معان بذاتها وشحن ذهنه ووجدانه بمفاهيم مزيفة تشكل جسرا مكينا للتطبيع مع الكيان الغاصب وتتماهى مع اللغة المتداولة في منصات الدعاية له والتمكين لسرديته بين فئات المجتمع.
وما يزيد الأمر خطورة أنّ هذا التحريف المفاهيمي يتواطأ مع مخططات إعادة توصيف الصراع الفلسطيني في الكتب المدرسية. فبدل الحديث عن الاحتلال الصهيوني أصبحت النصوص التعليمية تشير إلى النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، وتستعيض عن عبارة الكيان الغاصب بلفظ دولة إسرائيل كتعبير رسمي دون تنصيص أو تأطير[29]. بل سُجّل في بعض المواد توظيف مصطلح أورشليم بدل القدس، وهو لفظ ذو مرجعية توراتية يشرعن رواية العدو ويفكّك ارتباط المتعلم بجذوره الحضارية.
إننا هنا أمام انحراف خطير بالمعجم عن المعاني الأصلية، بما يُدخل التلميذ في سياق معرفي جديد يُعيد صياغة إدراكه للعدو والقضية برمتها. فالمتعلم الذي لا يسمع كلمة احتلال لن يعي وجود قوة غاصبة، والذي لا يدرس معنى مقاومة لن يدرك أن المقاومة خيار مشروع في مواجهة العدوان. وبذلك تُستخدم المفاهيم كآلية لِكَيّ الوعي وتزييف الإدراك: أي إعادة برمجة العقل الجمعي عبر التحكم في أدواته اللغوية ورموزه الدلالية.
وهنا يمكن الربط بين هذا التحوير وبين الرغبة في إعداد جيل أكثر قابلية للتطبيع. فإفراغ المناهج من مفردات المقاومة وتثبيت لغة السلام المجرد يعكس رغبة في خلق جيل يقبل بالكيان بوصفه طرفًا عاديًا في “نزاع” لا يتجاوز حدود الخلافات السياسية، ما يجعل المعجم التربوي نفسه أداة للاختراق الرمزي، إذ لا يغير فقط الكلمات بل يغيّر أنماط التفكير، ويعيد هندسة الوعي الفتي للأجيال الناشئة في سياق التربية على التطبيع.
وقد جاءت هذه التحولات منسجمة مع سياقات سياسية أوسع. فالتقارير الدولية التي رصدت المقررات المغربية أكدت أنّ المناهج “لم تعد تتضمن خطابًا عدائيًا تجاه إسرائيل”، وأنها “أدمجت موادًا جديدة عن اليهودية واليهود بصورة إيجابية” بل إن تقريرًا صدر في فبراير 2023 وصف المناهج المغربية بأنها “رحّبت بالتلاميذ داخل الحياة اليهودية”، حيث صارت قيم السلام والتسامح موضوعًا محوريًا في مختلف المواد، بينما صُوّر المجتمع اليهودي المغربي كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية، مع إبراز تفاصيل حياته في الملاح واحتفالات الميمونة [30]. هذه التوصيفات تُظهر بوضوح أنّ التحوير لم يكن محايدًا، بل استجابة مباشرة لمتطلبات التطبيع السياسي وتوجيهات الهيئات الدولية.
إن أخطر ما في هذا المسار أنّه لا يقتصر على تغييب فلسطين من الكتب، بل يقوم على تشويه المفاهيم وانحرافها عن دلالاتها الأصيلة، وتحويلها إلى أدواتٍ لقتل روح التضامن والنصرة والإخوة في الدين والجسد الواحد، وهي مرتكزات أصيلة في الهوية الإسلامية والثقافة المغربية.
إننا – إذن – أمام مشروعٍ ممنهج يقوم على هندسة المفاهيم لا على مجرد تبديل ألفاظ وتنقيح عبارات. إنه مشروع يُنتج ما يمكن تسميته بـ الحياد السلبي، بل والتربية على التنكر للقضية الفلسطينية، بما يفضي إلى إعداد جيل يرى في الاحتلال مجرد خلاف سياسي، لا ظلمًا تاريخيًا يستوجب المقاومة.
د– ” التعايش ” و “السلام“ مفهومان مستهدفان من قبل جرثومة المشروع الصهيوني.
سبق وأن تحدثنا عن الاستعمال السخيف والموجه لهذين المفهومين من قبل المشروع الصهيوني، وهنا سنوضح خطورته على إعادة صياغة الهوية، إذ لم تعد المدرسة تكتف بإسكات ذكر فلسطين؛ بل باتت تُرسِّخ سرديةً بديلة تقوم على إعلاء مفاهيم “السلام” و“التعايش” بوصفها أفقًا أخلاقيًا أعلى من كل القضايا، لكن منزوعةً من شرطها الجوهري: العدل والكرامة الآدمية. هكذا يُعاد تموضع القيم داخل الوعي المدرسي المغربي؛ فيتحول “السلام” من غايةٍ تتأسّس على إنصاف المظلوم إلى شعارٍ تجميليٍّ يوفِّر تسكينًا للصراع بدل تفكيك أسبابه. والنتيجة هي إنتاج مواطنة مدرسية منزوعة الذاكرة، تتبنّى أخلاقياتٍ عمومية لا تتورَّط في تسمية الظلم ولا تخصيص الجلاد، فيتم العمل على تشكيل هوية بديلة قائمة على:
- تصفية القضية عبر خطابٍ كونيّ مفروض.
يتكرّس في الدروس والأنشطة خطابٌ إنسانيٌّ عام حول “التضامن مع البشر أينما كانوا”، ويُقدّم باعتباره معيار النضج الأخلاقي للتلميذ. غير أنّ هذا الخطاب يُصاغ غالبًا بصيغةٍ تُجنِّب تسمية أيّ سياق استعماري. فتتكون لدى المتعلم أخلاقيات اللامبالاة: تعاطفٌ بلا تشخيص، ورحمةٌ بلا عدالة. وبهذه الطريقة، ينتقل الوعي المدرسي من الانحياز للعدل إلى الحياد السلبي المطيـع الذي يساوي بين الضحية والجلاد.
- ترسيخ نموذج مزيف للتعايش الاستسلامي.
تعرض بعض النصوص القرائية والأنشطة التقويمية صورًا يومية عن “حسن الجوار” وتبادل الزيارات واحتفالات مشتركة، وتُصاغ بوصفها النموذج المرجعي للتلميذ. المشكلة ليست في التعددية نفسها—فهي رافدٌ أصيل في الهوية المغربية—بل في نزع التاريخ من هذا النموذج: يُقدَّم “التعايش” كقيمةٍ مكتفية بذاتها، منفصلةً عن واقع استعمارٍ قائم. وهكذا يُستبدل سؤال العدالة بسؤال الودّ، ويغدو “القبول” معيارًا يعلو على “الإنصاف”.
- قتل معاني المقاومة والتحرر عبر آلية الامتحانات المدرسية.
لا يقف الأمر عند النصوص؛ بل تُدار آليات الاختبارات المدرسية والامتحانات الإشهادية، حيث تمنح الأفضلية للإجابات التي تقدم مواقف “إيجابية ” و “مسالمة”. فيُكافأ التلميذ على صيغٍ مثل: “الخلافات تُحل بالحوار دائمًا، وضرورة القبول بالآخر والتعايش معه”، بينما تُحاصر العبارات التي تُسمّي الاستعمار والاستيطان بوصفها “لغة حادة”. بهذا تُصنع ثقافة منفعية لدى المتعلم تخيره بين الإجابة بما تبتغيه مؤسسة التقويم وتختاره وبين مواقفه وقيمه، لتضعه في سكزوفرينيا وجدانية تربي الأجيال على قيم المنفعية ولغة التسويغ وخطاب الإرضاء.
- تدبير الرموز: صورٌ وأمثلة و“مشاريع فصلية“.
تتّجه مادة الصور والوسائط إلى إفقار الرمز التحرري: تُستبدل صور الأقصى والعلم الفلسطيني بصورٍ كونية عامة (أطفال العالم، إسعاف المنكوبين، حملات تطوّعية)، وتنزاح المشاريع الفصلية نحو عناوين شاملة (التسامح، يوم الأرض للبيئة، المواطنة العالمية) من دون تمرينٍ معرفيٍّ على تمييز الظلم السياسي. تُدار الرموز إذن لتوليد إدراكٍ هادئ لا يشتبك مع أسباب المعاناة، بل يكتفي بعلاج أعراضها.
- تسويغ الواقع عبر “المواطنة العالمية“.
تُقدَّم “المواطنة العالمية” إطارًا جامعًا لترسيخ التسامح، لكنها تتحول—حين تُنزَع من سياق الحقوق—إلى أداة لـتسويغ الواقع الدولي كما هو. فبدل أن تُؤهّل التلميذ لمساءلة البُنى الظالمة، تدربه على التكيّف معها والتأقلم مع خطابها. وبذلك، يتحول درس “العيش المشترك” إلى براديغم إداريٍّ للأزمة: إدارةٌ حسنة للتعايش مع الظلم، لا مشروعٌ لإزالته.
- ما العمل؟
في ختام هذا التقرير، ومن واجب المسؤولية التاريخية، نتوجه إلى كل الغيورين على مصالح الأجيال المقبلة لنقول:
تكشف القراءة النقدية لمسار المناهج الدراسية المغربية في التعليم الأوّلي والابتدائي وبعض المعاينات في مناهج التعليم الثانوي عن حقيقة صادمة؛ مفادها أنّ ما يجري ليس مجرد إصلاح بيداغوجي أو تحديث تقني، بل هو انخراط صريح في مشروع عميق لإعادة تشكيل وعي الناشئة وفق إملاءات سياسية وثقافية عابرة للحدود. لقد جرى تغييب القضية الفلسطينية بشكل متدرج، وتحريف المفاهيم القيمية وانحرافها عن دلالاتها الأصيلة، وتمييع المعاني المرتبطة بالمقاومة والنصرة والأخوة في الدين، ليحل محلها خطاب معولم ومصطنع، يقدّس “السلام” و”التعايش” بصورة مجرّدة وملتبسة، تُفرغ هذه القيم من محتواها العادل وتحوّلها إلى أدوات لإخضاع الوعي وترويضه.
إنّ معركة المناهج التعليمية، كما أوضحنا في الفقرات السابقة، تعد أولوية قصوى، تتجاوز كل أشكال المقاومة الأخرى؛ إذ لا تقتصر على المقاطعة الاقتصادية أو المواجهة العسكرية أو حتى الرياضية، بل تستهدف صميم الإنسان: عقله ووعيه وإدراكه. وإذا كان انهيار الجبهات العسكرية أو الاقتصادية قد يكون مؤقتًا، فإن انهيار الوعي أخطر، لأنه يُنتج أجيالاً بلا ذاكرة مقاومة ولا قدرة على الرفض.
فحين يُعاد بناء الوعي الطفولي حول سلام بلا عدالة وتعايش بلا حقوق، تُصاغ هويةٌ مدرسيةٌ جديدة، تتخفّف من روابط الأخوّة والنصرة والجسد الواحد التي كوّنت الوجدان المغربي عبر قرون. إنها هندسة وجدانيّة تصنع مواطنًا مهذّب اللغة والخطاب، خفيفَ الحسّ تجاه الظلم، بارعًا في المواساة، ضعيفًا في الانحياز للحق.
وعليه، فإنّ مقصد هذا التقرير أن يرسخ في الوعي الجمعي للمغاربة أن مصير الأمة مرتبط بمدى قدرتها على تحصين مناهجها من الاختراق، وبناء تعليم يربي شخصية مقاومة ذات كرامة، رافضة للاستعمار ومشاريعه، وحاضنة للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحررية وعدالة إنسانية. أما ترك المجال لهذا الاختراق، فمعناه القبول بتحول التطبيع من سياسة ظرفية إلى بنية ذهنية ووجدانية تتشربها الأجيال منذ نعومة أظافرها.
وبحسب التجارب التاريخية في العلاقة مع الكيان، فإن خيار التطبيع والتساهل مع مشاريعه هو بمثابة إدمان على الخنوع واستعداد متنام للخضوع والتنازل على السيادة الوطنية، لذلك نلاحظ أنه بعد توقيع الاتفاقية المشؤومة مع المغرب (دجنبر 2020)، لم يتردد هذا الأخير في اتخاذ مبادرات متنوعة، سواء من خلال حضور قمة النقب (مارس 2022)، أو إعلان الاستعداد لاستضافة قمة الدول الموقعة على اتفاقيات أبراهام للتطبيع (صيف 2023)، أو إجراء مباحثات التعاون الثنائية، من قبيل المفاوضات أو اتفاقات بين وزارات، واستقبال كل من أورنا باربيفاي وبيني غانتس وغيرهم من سياسيي ورموز الكيان، ناهيك عن حضور الإسرائيليين للعديد من الأنشطة الفنية والرياضية والترفيهية والأكاديمية في المغرب، يوازيه مشروع تخريبي لطمس الهوية الإسلامية وتدمير القيم السامية ومحاربة اللغة العربية، وتوظيف الإعلام والفن والسينما والثقافة لنشر الرذيلة والأخلاق الفاسدة في صفوف الناشئة والشباب.
من هنا يتضح أن المدرسة أضحت أداة لإعادة هندسة الوعي بما ينسجم مع ضغوط خارجية واتفاقيات التطبيع، لأن التربية على التطبيع لا تبني حيادًا معرفيًا فقط، بل تزرع في المخيال استعدادًا نفسيًا لقبول التعايش مع الاستعمار. لذا فالطريق الصحيح لا ينبغي أن يتوقف عند حدود النقد الأكاديمي، بل يتطلب يقظة جماعية ومسؤولية تاريخية من القوى الحية: تربويون ومثقفون ونقابات وجمعيات وفاعلون مدنيون وكل من له غيرة على وطنه، لإعادة الاعتبار للمناهج باعتبارها جبهة مركزية في معركة التحرر. فالمناهج ليست أدوات محايدة، بل هي عقل الأمة في طور التشكيل، ومن يُمسك بخيوطها يحدد ملامح المستقبل. وإذا لم تنخرط الأمة بوعي في هذه المعركة، فإنّ الأجيال القادمة ستُدجَّن على الاستسلام وتسلم في السيادة الوطنية، بدل أن تُربّى على المقاومة والعدل والحرية.
[1]– تم توقيع الاتفاقية رسميا بالرباط في 22 دجنبر 2020 (فترة كورونا)، عن الجانب المغربي: وزير الخارجية السابق سعد الدين العثماني، ومن جانب الكيان: مستشار الأمن القومي: مئير بن شبات، وبرعاية كبير مستشاري الرئيس الأمريكي أنذاك: جاريد كوشنر.
[2]– هزرشي بن جلول، “التطبيع في مناهج التعليم العربية: المظاهر ووسائل المقاومة”، مجلة دراسات وأبحاث المجلة العربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد: 16، عدد: 03، ماي 2024، ص. 442
[3]– تدوينة/تصريح لرئيس وزراء الكيان في 11 شتنبر 2025 على منصة “إكس” بعد يوم واحد من مقتل كيرك.
[4]– سورة الممتحنة، الآية 8.
[5] – تأسس معهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي «امْبَاكْتْ سي IMPACT-SE» في عام 1998م، مقرها بلندن، وهي مؤسسة بريطانية إسرائيلية دولية للأبحاث والسياسات التعليمية في أنحاء العالم، تعرف نفسها على أنها متخصصة في مراقبة محتوى المناهج الدراسية بالتركيز على مواد تكريس الهوية مثل اللغة العربية والتربية الإسلامية والاجتماعيات والفلسفة، تعتمد المعايير الدَّوليَّة للسَّلام والتَّسامح ونبذ العنف، وفق شبكات اليونسكو. وهي منظَّمةً متخصصة في مجال تحليل الكتب المدرسيَّة، لها فِرَق دوليَّة تقوم بتحليل جميع الكُتب المدرسيَّة في جميع المواضيع التَّعليميَّة ضمن المناهج الوطنيَّة التي يتمّ تدريسها. كل أعضاء مجلس إدارة هذه المنظمة على اتصال وثيق بالجامعة العبرية في القدس، ونشطاء في دعم الأنشطة اليهودية، وأصدقاء لجيش الدفاع الإسرائيلي، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية. تم الاطلاع عليه بتاريخ 04 أبريل 2025 في الرابط: https://www.alqabas.com/article/5928694.
[6] – أنظر بالخصوص:
- وثيقة “معهد الدراسات الإسرائيلي للأمن القومي” Yonatan Negev and Eldad J. Pardo, “The Portrayal of Jews and Israel in Muslim and Arab Textbooks: Major Trends |July 8, 2024 ” (تصوير اليهود وإسرائيل في الكتب المدرسية الإسلامية والعربية: الاتجاهات الرئيسية)
https://www.inss.org.il/publication/jews-on-study-books/ (the Institute for National Srcurity Studies)
(نُشرت هذه المقالة في إطار مشروع بحثي مشترك بين معهد دراسات الأمن القومي، جامعة تل أبيب، ووزارة الخارجية). وأشار للموضوع موقع هسبريس بتاريخ: 17 يوليوز 2024تحت عنوان: “مركز عبري يقارب وجود إسرائيل واليهود في المقررات الدراسية العربية”.
- تقرير: المغرب يحتضن الثقافة اليهودية في المناهج المدرسية” تم الاطلاع عليه بتاريخ 22 فبراير 2023: https://www.i24news.tv/ar/ أخبار/دولي/افريقيا/1677047456-تقرير-المغرب-يحتضن-الثقافة-اليهودية-في-المناهج-المدرسية
[7]– ركزنا كثيرا على تقارير هذا المعهد لتخصصه في المسألة التربوية في الوطن العربي، ولتخصصه في تقييم الكتب المدرسية المغربية (2013-2022).
[8]– تقرير لمعهد مراقبة السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي (فبراير 2023)، وهو عبارة عن تقييم مفصل لما يزيد عن 127 كتابا مدرسيا للمقررات المغربية بين سنتي 2013 و2022.
[9] – ADL :Anti-Defamation League)° أو “رابطة مكافحة التشهير”، و”معهد توني بلير للتغيير العالمي”° (Tony Blair Institute for Global Change).
[10]– لا تتبنى أمة الإسلام مبدأ الصراع مع باقي الهويات الخاصة ولا حتى مع المعتقدات الفردية والأفكار الجماعية، بل تعتبر الآخر أمة استجابة، وتعتبر نفسها أمة دعوة، أسوتها في ذلك رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي وجهه ربه بالقول: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”.
[11]– شهد قطاع غزة حصارا مستمرا منذ فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية سنة 2006، وتوسع الحصار واشتد مع سيطرة الحركة كليا على القطاع سنة 2007، زاد من حدته إغلاق معبر رفح وتحكم إسرائيل في الحدود البرية والبحرية للقطاع.
[12]– جذير بالذكر أن اتفاقية التطبيع مع الإمارات العربية المتحدة جاءت باعتبارها مقترحا ذاتيا للإمارات عبر وزير خارجيتها، وبمثابة بديل (تعويض) لإسرائيل عن مشروعها، الذي باركته الولايات المتحدة في يناير 2020، والقاضي بضم الضفة الغربية أو تطبيق القانون الإسرائيلي على ما لا يقل عن 30% منها.
[13]– يبدو من خلال استقراء جملة المفاوضات والزيارات التي تمت خلال هذه المرحلة أن الخطة تم الاتفاق عليها، بعد مشاورات ولقاءات بين ثلاثي يوسف العتيبة (وزير خارجية الإمارات) وبنيامين نتنياهو وبيركوفيتش مساعد كوشنير ومبعوث الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط، حيث عرف الإعلان عنها من قبل وزير الخارجية الإماراتي اهتماما إعلاميا واسعا في وسائل إعلام الكيان.
[14]– لا تحتاج إسرائيل إلى تفويض ولا إلى موافقة للسيطرة على الضفة الغربية، فهي تسيطر عليها عمليا منذ زمن، وتديرها كما تشاء، سواء من خلال التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية والتحكم في القادة والمؤسسات، أو من خلال التحكم في المداخيل المالية للدولة وحركة الفلسطينيين، والآن إسرائيل تسيطر على الضفة رغم تهديد الإمارات بالانسحاب من اتفاقية أبراهام، وتلاحق من تشاء وتعتقل وتقتل وتحاصر. هذا دون تجاهل بعض روايات الكيان التي تدعي أن الإمارات عند توقيعها على الاتفاقية اشترطت تأجيل الضم وليس التراجع عنه.
[15]– حكام العرب يعرفون مسبقا أن إسرائيل لن تلتزم بالاتفاقيات، لذلك لم يحركوا ساكنا عندما انقلب نتنياهو وحكومته على الاتفاق مع الإمارات، بإعلانه المصادقة على بناء ما يزيد عن 5400 وحدة استيطانية جديدة علاوة على توسيع مستوطنة بيتار إيليت.
[16]– أشرف على هذه الدراسة وزير الحرب السابق “موشيه يعلون” والباحثة “ليئا فريدمان”.
[17] – أظهر استطلاع للرأي أجراه المركز العربي في واشنطن العاصمة العام الماضي، ونشرته CNN، أن 84٪ من العرب الذين شملهم الاستطلاع لا يوافقون على اعتراف بلدانهم بإسرائيل. وفي السعودية لم تتجاوز نسبة التأييد للتطبيع 5٪.
[18] وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، مديرية المناهج، الإطار المنهاجي للتعليم الاولي، 2018، ص 37.
[19] – محمد حمداوي، مخاطر الاختراق الصهيوني لمناهج التعليم وسبل مواجهته، مجلة النداء التربوي، العدد 34، السنة 28، 2025، ص 10 – 18.
[20]– عبد الرحمن العطار وعبد الكريم زهير، ” واجهة الحرب الصهيونية على المناهج الدراسة ” مجلة النداء التربوي، العدد 34، السنة 28، 2025، ص 56- 72.
[21] Reuters, “Morocco includes Jewish history in school curriculum,” 4 March 2021.
[22] محمد حمداوي، مرجع سابق
[23]. Itam Shalev, The Moroccan Curriculum: Education in the Service of Tolerance, IMPACT-SE, Jerusalem, 2023
[24] كتاب المفيد في اللغة العربية، السنة الرابعة ابتدائي، نص سماعي يتحدث عن مشاركة أسرة مسلمة جارتها اليهودية في الاحتفال بطقس ميمونة.
[25] كما في نص “GAD EL MALEH” من كتاب ” pour communiquer en français” السنة الخامسة فرنسية، ص 40.
[26] جريدة هسبريس، أمزازي: إدراج الثقافة اليهودية في البرامج الدراسية يثبت الهوية الوطنية، بتاريخ 18 دجنبر 2020، https://www.hespress.com/
[27] كوثر اودريري، ” المغرب تدرج الثقافة اليهودية في المناهج الدراسية” صحيفة The time of Israel تاريخ النشر 14 دجنبر 2020
[28] جريدة المساء 24، “نقابتان ترفضان التطبيع التربوي وتطالبان بنموسى بالكف عن العبث بالمقررات الدراسية” عدد 8 ديسمبر2022، الموقع الرسمي للصحيفة https://elmassae24.ma/ تاريخ الاطلاع 25 غشت 2025.
[29] عبد الرحمان العطار وعبد الكريم زهير، ” واجهة الحرب الصهيونية على المناهج الدراسية” م سابق، ص. 57.
[30] Report: Moroccan textbooks ‘welcome schoolchildren into Jewish life’، IMPACT-SE، 21 فبراير 202

