معاناة مسلمي الإيغور… الواقع المرير

166

لا شك أن الأمة الإسلامية برمتها تعيش مرحلة جد حرجة من حياتها ومخاضا صعبا ينبئ بولادة جديدة، فقد كثرت فيه الأحداث الدامية، والوقائع المتوالية، وتعرض أبناء الأمة في مختلف أطرافها لهجمة شرسة ذاقوا من خلالها كل أنواع القتل والقمع والتعذيب والتنكيل والتهجير ومحو للهوية.

وما كانت لهذه الحملة الشرسة الهوجاء على الإسلام والمسلمين أن تشتد لولا إحساس أعداء الأمة بالصحوة واليقظة التي أصبح يتمتع بها أبناء هذه الأمة وشعورهم بخطورتها على مشاريعهم الاستعمارية التي تهدف إلى استعباد الخلق ونهب خيرات الأمم.

ففي مثل هذه المراحل التي تعيشها الأمة حاليا تظهر حقيقة اليقين بالله وبنصره وتمكينه لهذه الأمة الموعودة،وعدم اليأس والقنوط من فرج الله وبذل الجهد لنهضة الأمة حتى لا نهلك بطول الأمد والأمل والتمني بغير عمل فلا يصلح اخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، فقدقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، ويهلك آخرها بالبخل والأمل“(صحيح الجامع. كما ينبه الأستاذ عبد السلام ياسينرحمه الله كثيرا عمن خطر خمول أبناء الأمة و تسرب اليأس و الإحباط إلى قلوبهم بحيث يقول ويؤكد في كتابرجال القومة و الإصلاح ص23 : ‘’ لا أخطر على الأمة من خمول أبنائها، ورضاهم الصامت بدين الانقياد، حتى يصبح من أصولهم الاشتغالُ عن الأمر العام بسفاسف الحياة اليومية”.

ويحتم علينا رابط أخوتنا الإيمانية نصرة إخواننا في الدين في كل بقاع العالم مهما كانت ثقافته وعرقه ولونه وألا تقتصر نصرتنا على إخواننا في فلسطين والدول المجاورة فقط لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع دستورا واضحا لذلك بحيث قال: “ما من أمرئ يخذل امرءًا مسلمًا عند موطن تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله -عز وجل- في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر امرءًا مسلمًا في موطن ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته،صحيح الجامع.

ويعيش إخواننا في منطقة شرق اسيا عموما حملة من الاضطهادوالتضييق الممنهج من طرف متطرفينمن أتباع الديانات الوثنية ومنهم يتربع على عرش السلطة في بعض البلدان كالهند والصين وبورما وغيرها، رغم أن الإسلام وصل إلىهذه المناطق عن طريقالسلم والقدوة الحسنة، ولم يكن الوصول إليها بالقوة والعنف ليكون هناك ردود أفعال من هذا القبيل إلى أن هذه الحملة تدخل في السياق العام التي تعيشه الأمة برمتها كما سبق الذكر من قبل.

ومن بين أهم الأقليات المضطهدة في تلك المنطقة هم مسلمي الصين عموما بحيث يعيش المسلون في أكثر من عشر أقليات قومية صينية من أصل ست وخمسين قومية موجودة في الصين مختلف أنواع التضييق والاحتقار وهم:هوي،والويغور،والقازاق،والقرغيز،والتاتار،والأوزبك،والطاجيك،ودونغشيانغ،وسالاار،وباوآن.

وقد دخلالإسلامإلىالصينعلىيدالتجارالمسلمين في القرن السابعالميلاديتحديدافيعهد خلافةسيدناعثمانبن عفان رضي الله عنه وظل لمدة قرون مديدة يتعايش أبناء الإسلام في الصين مع باقي الديانات بشكل اعتيادي بجو يسوده السلم والاحترام المتبادل.

لكن ابتداءا من القرن الماضي وخصوصا في المنطقة التي يعيش بها المسلمون من أقلية الإيغور ذات الأصول التركية والتي تسمى سابقا بتركستان الشرقية قبل أن تضمها إليها الدولة الصينية في عهد النظام الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسيتونجسنة 1949م لتحقيق أطماعها في المنطقةنظرا لموقعها الجغرافي و غنى ثرواتها الطبيعية والتي تعرف حاليا باسممقاطعة شينجيانغ, كما ثم إلغاء استقلال الإقليم، وتعريض المنطقة لعملية تطهير عرقي بتفريغ الإقليم من سكانه المسلمين وتوزيعهم إلى أقاليم، حتى يمثلوا أقليةً في مواطنهم الجديدة.

وقد ضاعفت الدولة الصينية من تضييقها لهم خصوصا بعد ارتفاع حدة التوتر بين قوميتي “الهان” الصينية و”الأويغور” ذات الأصول التركية بنهج حملات متتالية من التضييق عليهم في كل مناحي الحياة وفي مختلف المجالات التي تتعلقبالعباداتوالثقافة وفرض مناهج تعليمية مخالفة لمبادئ الدين الإسلامي والتدخل في حرية اختيار اللباس وأسلوب حياة الفرد والعلاقات الاجتماعية وحظر لبس الحجاب للمسلمات ومنع حمل المصاحف والسجادات وجبرهم على استضافة ملحدين صينين بمنازلهمومصادرة منازل وأملاك الذين هربوا من الظلم والقهر و هدم العديد من المساجد, وإلقاء القبض على العديد من الأثرياء بتهم مزعومة بالفساد وتمويل نشاطات دينية مرتبطة بالخارج, ناهيك عن سياسة إذلال العلماء والمثقفين والناشطين وإيداعهم في السجون تحت مزاعم واتهامات باطلة لا أساس لها من الصحة.

كما تم القيام بحملة لإجبار المسلمين الإيغور في الإقليم على معايشة ملحدين صينيين واستضافتهم في بيوتهم، والتي يبدو أنها تندرج ضمن مخططها لإحداث تغيير في التركيبة السكانية بالمنطقة ذات الغالبية المسلمةومنع حرية التنقل والسفر واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك مصادرة جوازات السفر لحيلولة دون اتصالهم بالعالم الخارجي.

ولكن للأسف فأغلب أبناء الأمة عموما لا يعرفون معاناة إخواننا في تلك المنطقة ولا تاريخها وحاضرها وقد كان من قدر الله أن أثار الانتباه لهذه القضية لاعب الأرسنال الإنجليزي المسلم مسعود أوزيل الألماني الجنسية والتركي الأصل من خلال تدوينة على وسائل التواصل الاجتماعي وتفاعل معها الإعلام العالمي بإيجابية نظرا لنوعية العلاقة التي تربط الصين بالدول الغربية في المرحلة الحالية وهو ما نعتبره قدرا من أقدار الله لبداية رفع الظلم عن إخواننا الإيغور إن شاء الله.

فرابطة الأخوة الدينية التي تجمعنا بإخواننا المسلمين في الصين رغم البعد الجغرافي توجب علينا نصرتهم والتعريف بقضيتهم وبدل الوسع بكل الوسائل المتاحة لرفع الظلم عنهم ودعمهم في نضالهم المستمر للحفاظ عن هويتهم الإسلامية رغم حملات القمع والتضييق التي يتعرضون لها. ويمكننا اقتراح مجموعة من الوسائل المتاحة من باب الذكر لا الحصر:

  • أولا وأخيرا الدعاء والتضرع لله عز وجل لرفع الظلم عن إخواننا.
  • دعوة الخطباء لتخصيص خطب الجمعة للتعريف بالقضية.
  • التعريف الإعلامي بقضية مسلمي الإيغور وإعداد مواد إعلامية تخدم ذلك خصوصا عبر وسائل التواصل الإجتماعي.
  • رفع دعوات قضائية من قبل رجال القانون لحماية أقلية الإيغور وتمكينها من ممارسة حقوقها الإنسانية.
  • الأنشطة التضامنية من مسيرات ووقفات وسلاسل بشرية.
  • عقد ندوات ومحاضرات تعريفية بالقضية.
  • الضغط على الأجهزة الرسمية لإصدار موقف داعم للقضية.
  • مقاطعة رمزية للبضائع الصينية في الأسواق المحلية.
  • النصرة الفكرية بالكتابة والنشر.

هذه بعض الأمثلة كما يمكن ابداع وسائل أخرى يمكننا التعبير من خلالها عن دعمنا ونصرتنا لقضية إخواننا المضطهدين في الصين و كذلك باقي الأقليات المسلمة من المستضعفين المضطهدين في البقاع الأخرى من شرق اسيا و دول الاتحاد السوفياتي سابقا و ايفريقيا جنوب الصحراء و اللائحة طويلة, بما نملك من وسع وجهد ونحن كلنا يقين على دنو أجل النصر والتمكين لهذه الأمة لاستعادة عزتها ونصرها الموعود عندما تشاء الحكمة الإلاهية ذلك مصداقا لقوله تعالى : [وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ] {الصَّفات:173} .

بقلم محمد العربي النجار

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق