المقاطعة الرياضية لدولة الاحتلال بين الأنظمة والشعوب

132

علي بادي

ارتفعت في الآونة الأخيرة وتيرة التطبيع مع الكيان الصهيوني من طرف الأنظمة العربية المهرولة، واتخذت منحى أكثر رسمية وعلانية خاصة على الصعد السياسية والدبلوماسية والاقتصادية.

وشهد المجال الرياضي خاصة تسارعا في حجم وشكل هذا التطبيع، إذ تم أواخر الشهر الماضي استقبال وفد رياضي إسرائيلي في قطر ضمن بطولة ألعاب القوى، وقبلها بحوالي العام تقريبا، سبقه نفس الفعل في بطولة الجمباز، كما عرفت بداية هذا الشهر – أكتوبر 2019 – دخول فريق الرجاء البيضاوي المغربي إلى الأراضي المحتلة لمقابلة فريق هلال القدس الفلسطيني ضمن الكأس العربية للأبطال، وينتظر كذلك دخول المنتخب السعودي لمواجهة المنتخب الفلسطيني بالأراضي المحتلة خلال نفس الشهر.

هذه الأحداث وما سبقها وما سيتلوها من أنشطة مماثلة، كلها تبين بكل وضوح سعي النظام الرسمي العربي للتطبيع مع الصهاينة والانفتاح عليهم في كافة المجالات، على الرغم من الرفض والتمنع الشعبي الكبير الذي تبديه الشعوب العربية في ذلك، وخير مثال على ذلك – في المجال الرياضي – هو انسحاب الكثير من اللاعبين العرب في الرياضات الفردية ورفضهم منازلة رياضيين من دولة الاحتلال.

فهل ستنجح الأنظمة في التطبيع مع الصهاينة؟ أم أن المقاطعة الشاملة ومنها الرياضية هو قدر الكيان الغاصب؟

“إسرائيل” كيان معزول

تواجه دولة الاحتلال منذ إنشائها عزلة إقليمية ودولية في كل المجالات، وفي الرياضة بشكل أخص، حيث إنها ليست عضوا في الاتحادات الرياضية القارية لآسيا وإنما ضمن أوربا، على الرغم من أن أراضي 48 التي يقام عليها الكيان الصهيوني هي جزء من فلسطين التاريخية  تقع في قارة آسيا، وتبعا لذلك فإن المنتخبات والفرق واللاعبين الرياضيين الصهاينة يجرون إقصاءاتهم ومبارياتهم مع الفرق الأوربية. كما أن الصهاينة فشلوا في تحقيق إنجازات رياضية مهمة على الرغم من الإمكانيات الضخمة المتوفرة لديهم، سواء فيما يتعلق بتنظيم ملتقيات رياضية دولية، أو فيما يرتبط بفوز لاعبيهم أو فرقهم بالمباريات أو الألقاب.

 

من جانب آخر يلقى رياضيو دولة الاحتلال رفضا كبيرا عبر العالم سواء من طرف اللاعبين والفرق الرياضية أو من طرف الجماهير المشجعة، وما شعارات وحملات مساندة فلسطين ورفض الاحتلال التي تعلو مدرجات الملاعب الأوربية سوى أكبر دليل على ذلك.

توظيف الصهاينة للرياضة في التسويق لمشروعهم

يدرك الصهاينة أهمية الرياضة في العلاقات الدولية ودورها المهم في تقوية العلاقات بين البلدان، أو في توتيرها أو قطعها، ولذلك يسعون لتوظيفها، خاصة وأن الرياضة تعتبر أداة اختراق كبير للرأي العام ووعي الجماهير، نظرا للشعبية الكبيرة التي تحظى بها لدى الأفراد والشعوب بشكل يفوق مكانة وأهمية باقي مجالات حياة الناس واهتماماتهم من ثقافة وفنون…

وفي هذا الإطار تأتي زيارة بعض قادة دولة الاحتلال للفرق الرياضية ذات الصيت العالمي الكبير؛ كما فعل شمعون بيريز في فبراير 2011 حيث زار فريق ريال مدريد، ودعوة الصهاينة المتكررة للأندية الرياضية للمجيء إلى فلسطين المحتلة لإجراء مباريات ودية أو إقامة معسكرات تدريب، وقد لقيت دعواتهم هذه استجابة محدودة من بعض الفرق الأوربية. كما أن زعماء الكيان الصهيوني يعملون على استمالة بعض الرياضيين المشهورين عالميا للتسويق للمشروع الصهيوني من خلال زيارة الأراضي المحتلة أو القيام ببعض الأنشطة الدعائية من مثل لبس القلنسوة اليهودية أو زيارة بعض الأماكن المقدسة كحائط البراق، حائط المبكى في زعمهم، أو زيارة “متحف الهولوكوست”.

وفي الاتجاه الآخر يمارس قادة الاحتلال ضغوطا كبيرة على الدول والهيئات الرياضية العالمية لمنع ومعاقبة كل الرياضيين المتضامنين مع فلسطين أو الذين يعبرون عن رفضهم واستيائهم من جرائم الاحتلال، ويرفضون ويزعجهم كثيرا أن تكون ميادين الرياضة ساحات لفضحهم وإظهار قبح كيانهم وهمجيتهم.

هذه إجراءات ومواقف تدل على أن الرياضة حاضرة بقوة في تخطيط واهتمامات الصهاينة، ويعملون على توظيفها بما يخدم مشروعهم العنصري. لكن بالمقابل تشكل الرياضة إحدى أهم نقاط ضعف كيانهم المهزوز، حيث ظهر عجزهم في اختراق المنتديات والمحافل الرياضية على الصعيد العالمي بالحضور و المشاركة أو بالفوز و التتويج.

 

أشكال ومجالات المقاطعة الرياضية

إن المقاطعة الرياضية لدولة الاحتلال تعني فيما تعنيه؛ واجهة من واجهات المقاومة في وجه المشروع الصهيوني، وشكل من أشكال المساندة الجماهيرية القوية لحقوق الشعب الفلسطيني العادلة والمشروعة، وأداة فعالة لفضح الجرائم والتاريخ الدموي لـ”إسرائيل”، ولذلك تقتضي من الشعوب العربية والإسلامية ومن كل حر في العالم عدم المشاركة في المباريات واللقاءات الرياضية الجماعية والفردية التي يكون فيها الطرف الآخر من الكيان الصهيوني، سواء كانت مباريات رسمية أو ودية.

كما تستلزم عدم زيارة الأراضي المحتلة لحضور أو المشاركة في أي نشاط رياضي مهما كان نوعه ومناسبته، ولا تشجيع اللاعبين أو الفرق الرياضية الصهيونية أو تلك التي تصرح علانية بدعمها ومساندتها للاحتلال الصهيوني. كما أن المقاطعة الرياضية تستوجب من الأحرار رفض استضافة أي فريق أو لاعب رياضي صهيوني، كما فعلت ذلك دولة ماليزيا مستهل هذه السنة 2019 عندما رفضت استقبال سباحين من دولة الاحتلال ضمن بطولة العالم للسباحة البارالمية، ولو كان ثمن ذلك سحب تنظيم البطولة منها.

وختاما؛ فإنه مهما حاول المطبعون والمهرولون، سواء كانوا نظاما رسميا عربيا أم أشباه المثقفين أو أشباح الرياضيين والفنانين، إخراج دولة الاحتلال “الإسرائيلي” من عزلتها الإقليمية والدولية، وتطبيع العلاقات معها، فإنهم لن يفلحوا في ذلك، لأن الشعوب العربية والإسلامية عصية على التطويع في اتجاه الذل و الاستكانة و التصالح مع كيان قائم على اغتصاب الأراضي وتهجير سكانها وقتل الأطفال والنساء والشيوخ، تجاريها في ذلك كل الشعوب والأمم الحرة في العالم.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق