المرابطات: المدافعات عن شرف الأمة

7
بينما كنت أتصفح بعض المواقع الالكترونية، أثارني هذا العنوان “هن أخوات الرجال… في زمن عز فيه الرجال” ؛ فتساءلت أليس كل النساء أخوات الرجال، ولماذا الاستدراك؛ في زمن عز فيه الرجال، ما الذي يميز هؤلاء النساء؟
في أحلك الأوقات التي تراجع فيها الكثير من القادرين على الفعل، عرفن أن ثغرة القدس في أمس الحاجة لهن، فنذرن حياتهن دون التفكير في العواقب، فكن المدافعات عن المسجد الأقصى المبارك.. إنهن المرابطات.
يحاول الصهاينة تزييف التاريخ مدعين أن لهم هيكلا تحت الأقصى فلا يتوقفون عن الحفر ليلا ونهارا لإثبات ما يدل على وجودهم فيه منذ أزل التاريخ؛ وعملوا على فصل القدس عن باقي المناطق الفلسطينية، وفرضوا شروطا على دخول المسجد الأقصى. فأنشأ الغيورون على المقدسات ما يسمى بمصاطب دروس العلم للرجال والنساء حيث أصبح المسجد الأقصى قبلةً للحجيج من عدد من مدن الداخل المحتل، وأنشؤوا مجموعات تتناوب وترابط في الأقصى حتى لا يفرغ من المصلين والمتعلمين ليثبتوا وجودهم في الأقصى. ولكن محاولات فصل الأقصى عن محيطه تتجدد بين الفينة والأخرى، فلا يسمح بالدخول إلى القدس إلا لأصحاب التصاريح الطبية للعلاج أو لمن هم فوق سن الخمسين أو أحيانا الستين للصلاة. ولم يكتف الكيان الصهيوني بمنع الفلسطينيين من الدخول إلى الأقصى الشريف فقط، بل أخذت الاقتحامات اليوميه من قبل قطعان المستوطنين تتصاعد، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يحاولون تأدية طقوس تلمودية في ساحات الأقصى. كل هذا يحدث في أولى القبلتين وثالث الحرمين وأمة المليار ونصف منشغلة، وحكام العرب لا يسألون ماذا حل بالأقصى؟
الاقتحامات المتكررة للمتطرفين اليهود وتدنيس الأقصى حذا بالمؤسسات الخيرية إلى إنشاء لجان المرابطين والمرابطات ليكونوا موجودين في الأقصى في رباط دائم للقيام بنشاطات مختلفة مثل إعطاء الدروس والصلاة وتحفيظ القراّن الكريم. هذه الخطوة أثارت حفيظة اليهود فعملوا على منع كثير من الشباب المقدسي من دخول الأقصى حتى لو كان ممن يحمل الجنسية المقدسيه. فأصبحت الاعتداءات تتكرر على المرابطين أثناء إعطاء الدروس أو في حلقات التحفيظ بقنابل الغاز والرصاص الحي، ثم منعوا الرجال كبارا وصغارا من دخول الأقصى وبقي الأمر مقصورا على النساء اللواتي لم يسلمن أيضا من الاعتداءات من جنود الاحتلال، ورغم ذلك لم يستسلمن، بل بقين في الأقصى لتأدية الصلاة وإعطاء الدروس وتحفيظ القراّن. فمن مدن أم الفحم والناصرة وحيفا وعكا والمثلث ويافا، تحجّ المرابطات للأقصى بقطع مئات الكيلومترات، متحديات جميع حواجز الاحتلال ومحاولات عزله للمدينة المقدسة.
ممنوعات من الصلاة في الأقصى مرابطات على أبوابه
ورغم التشديد والمنع، بقي إصرار المرابطات على الصلاة في الأقصى والمرابطة فيه، فمنهن من يصلين وراء الأبواب أو يتصدين لحلقات العلم: الطالبات في مصاطب العلم والسيدات والأمهات بل حتى كبيرات السن كن على أهبة الاستعداد للمواجهة مع الصهاينة. وهذا التصميم جعل اليهود يتخذون قرارا بمنع المرابطات من الصلاة حتى خلف الأبواب ومن لم تستجب يعتدى عليها بنزع حجابها أو ضربها مع إسماعهن أبشع الشتائم دون مراعاة للكرامة الإنسانية وفي غياب تام لمؤسسات حقوق الإنسان. كما تلجأ شرطة الاحتلال إلى اعتقال النساء من المسجد الأقصى بحجة إثارة الشغب من خلال “التكبير” فيه . ولم يعد أمر اعتقال النساء في حاضر المسجد الأقصى المحتل، ولا اعتداء عناصر شرطة الاحتلال عليهن بقوة السلاح بالأمر الجديد أو الغريب. كما لم تثني الاعتداءات هؤلاء النساء من الثبات والصمود في هذا الواقع رغم شدته. فكلما تعرض الأقصى للاقتحام أو للاعتداء، إلا وكانت المرابطة أولى من يفديه بالدم والجسد والروح، بعدما فدته بوقتها ومالها وعملها ومنزلها، فتراها تصدح بالتكبيرات بكل ما أوتيت من قوة، كما تساعد إخوانها المرابطين فتمدهم بالدواء والماء والحجارة، وتشكل دروعا لتحميهم من الاعتقال أو تخلصهم من أيدي المعتدين في مشهد يعيد للذاكرة ما كانت الصحابيات يقمن به خلال الحروب والغزوات.
وتؤكد إحدى المرابطات التي تعرضت للاعتقال غير ما مرة على يد جنود الاحتلال وهي الناشطة لمى خاطر على أن المرأة الفلسطينية أثبتت نفسها بجدارة في الرباط بالمسجد الأقصى وفي التفاعل الكبير مع مشروع مصاطب العلم في ساحاته، مشيرة إلى أن دورها مهم وحيوي، حيث يعتبر عامل تحريك لهمم الرجال والشباب. وتضيف هذه المجاهدة: “إن القدس كانت على الدوام ثقل الصراع الحقيقي ومركز انبعاث الطاقة لمواجهة الاحتلال الصهيوني” ، منوهة إلى “أن رمزيتها لن تتأثر مهما اجتهد الاحتلال لعزلها وتغييبها عن ذاكرة الأجيال المتتالية” .
استطاعت المرابطات في المسجد الأقصى إحباط الكثير من مخططات الاحتلال فيه، وأعاقته بصمودهن وتضحياتهن من التقدم فيها. وشددت المرابطات على أن هذا الصمود يحتاج إلى دعم أكبر من أبناء القدس والداخل الفلسطيني بل وسائر الأمة الإسلامية، لضمان استمراريته. وتؤمن المرابطات بأن الرباط في المسجد الأقصى جزءٌ من دور المرأة الفلسطينية في الجهاد ضد الاحتلال؛ حيث إنهن يتركن أعمالهن وأولادهن وأزواجهن لفداء الأقصى والوقوف سدًّا منيعًا أمام تدنيسه أو التفرد به.
أخرج أحمد وغيره عن أبي أمامة رضي الله عنه: “”لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الدِّينِ ظَاهِرِينَ، لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ (أي من شدة وتعب) حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ”. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَيْنَ هُمْ ؟ قَالَ: “بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ”” .
فطوبى لهن بجهادهن، وطوبى لهن النصر؛ فقد حق فيهن قول الباري عز وجل ولينصرّن الله من ينصره الحج 4

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق