نكبة فلسطين..67 سنة من المعاناة

4

بقلم محمد الرياحي الإدريسي

في الخامس عشر من شهر ماي من كل سنة تحل علينا ذكرى النكبة الفلسطينية، مناسبة ترجع بنا سنة 1948 التي تشكل سنة النكسة الفلسطينية والعربية، بعدما قامت قوات الاحتلال الصهيوني بارتكاب أكبر جريمة حرب في حق الشعب الفلسطيني وفي حق الإنسانية جمعاء، جريمة كان من أركانها قيام الصهاينة بطرد وتهجير مئات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، واحتلال ما يقارب من 80 %  من أرضهم، ودفع البعض منهم إلى قطاع غزة والضفة الغربية ونهر الأردن، وإلى عدد من الأقطار العربية المجاورة مثل الأردن والعراق وسورية ولبنان.

وجدير بالذكر أن حدث النكبة لم يكن وليد سنة 1948 بل سبقته أحداث وقرارات ومواجهات ساخنة، بدأت قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين في العام 1917، أي إبان قرار الخارجية البريطانية القاضي ب “إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين”، في ما عرف باسم وعد بلفور[1]، حيث قامت بريطانيا المحتلة بوضع هذا التصريح موضع التنفيذ منذ اللحظة التي دخل فيها قائد القوات البريطانية الجنرال “اللنبي”[2] القدس واحتلها، منهيا بذلك تبعية فلسطين للدولة العثمانية المهزومة في الحرب العالمية الأولى، وفاتحا الطريق أمام الحركة الصهيونية الممثلة آنذاك بما يسمى “الوكالة اليهودية”[3] والتي تضم المنظمات والأحزاب اليهودية والصهيونية على حد سواء، وكان الطريق هو طريق فتح مدن وقرى فلسطين أمام نشاط هذه الوكالة اليهودية قصد الاستيلاء على الأرض الفلسطينية بكل الوسائل وتنظيم هجرة اليهود الجماعية إلى فلسطين من مختلف أنحاء العالم، ومحاولة شراء أراض في فلسطين، وإعداد قوة عسكرية مدربة جيدا، وبناء مستعمرات مدنية و عسكرية .

وقد وازى هذه الهجمة وهذا التكالب الواضح على ارض فلسطين ، يقظة عربية وفلسطينية ، في محاولة لمواجهة مد الهجرة الصهيونية منذ البداية بانتفاضات متفرقة أهمها انتفاضة الشيخ عز الدين القسام من حيفا، الذي أطلق الرصاصة الأولى معلنا انطلاق ثورة سنة 1936 المسلحة وكانت ثورة عامة أساسها أصحاب الأرض التي يستهدفها مشروع الاحتلال الصهيوني ولكن هذه الثورة انتهت بعد ثلاث سنوات .

ولأن الحرب العالمية الثانية أخرجت بريطانيا من عداد الدول العظمى، فقد تم نقل قضية الصراع في فلسطين إلى الأمم المتحدة، بعد أن تهيأ الجو تماما تقريبا للوكالة اليهودية، عسكريا وسياسيا وماليا ومهاجرين، لحسم معركتها مع الفلسطينيين، والعرب عموما وطرح قرار تقسيم فلسطين في العام 1947 وتمت الموافقة عليه في الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد ضغوط أمريكية كبيرة على عدد من الدول، لتكون النتيجة صدور قرار 171 الشهير، الذي منح “الوكالة اليهودية” حق إقامة “دولة” على أرض فلسطين. وهو القرار الذي ساهم في اندلاع حرب 1948 بين الفلاحين الفلسطينيين بإمكانياتهم البسيطة وبين المنظمات الصهيونية المسلحة والمدعمة بأقوى الأسلحة من مخازن الدول الغربية ، لتتم مهاجمة القرى الفلسطينية في أعنف حملة إرهاب ضد الفلسطينيين من قبل العصابات الصهيونية، حيث قتل المدنيون ليلا أطفالا ونساء ورجالا وهم في أسرة نومهم، وزرعت المتفجرات في الأسواق والفنادق والشوارع، وتم التخطيط لمذابح جماعية منظمة في كل قرية أو مدينة فلسطينية يتم الاستيلاء عليها لإجبار الفلسطينيين على النزوح عن أراضيهم وبيوتهم، ويكون مصير من أصر منهم على البقاء الإبادة والتقتيل .

حملة التصفية العرقية التي بدأتها قوات الاحتلال الصهيوني قبل سنة 1948 وفق مخطط مسبق، وتواصلت خلال حرب 1948، لم تستطع الجيوش العربية الضعيفة، ليتم في النهاية تدمير أكثر من 600 قرية فلسطينية، واحتلال المدن الكبرى مثل عكا وحيفا ويافا والناصرة والرملة…، وطرد سكانها، وحشر ما تبقى منهم في معسكرات الاعتقال، وإجراء إعدامات جماعية في هذه المعسكرات واستمرت الحملة الإرهابية، حملة الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وبيوتهم بالقوة، حتى بعد توقف حرب 1948، وتوقيع عدد من الدول العربية المجاورة اتفاقيات هدنة مع دولة الاحتلال الصهيوني .

إن ما تشهده فلسطين الحبيبة الآن من تقتيل وتهجير واعتقال وتهويد واستيطان وهدم للبيوت وحصار قطاع غزة… هو استمرار لسياسة حرب وإبادة تمارسها سلطات الاحتلال الصهيوني المدعومة من طرف أمريكا ومن يؤيدها من حكام الغرب ومؤسساته المتواطئة مع الصهاينة، ضد شعب بأكمله و بتواطئ عربي رسمي،  ليؤكد أن النكبة ليست بحدث عابر في التاريخ وإنما هي حالة من الظلم مستمرة في المكان والزمان و جريمة قائمة بكل أركانها  حتى يومنا هذا .


[1]  : وعد بلفور أو تصريح بلفور هو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ  نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

[2] : إدموند هنري هاينمان ألنبي، الفايكونت الأول اللنبي، ضابط وإداري بريطاني، اشتهر بدوره في الحرب العالمية الأولى حيث قاد قوة التجريدة المصرية في الاستيلاء على فلسطين وسوريا عامي 1917 و1918 .

[3] : هي الجهاز التنفيذي للحركة الصهيونية وقد  أنشأت سنة 1908 باسم “مكتب فلسطين” في يافا كفرع للعمليات للمنظمة الصهيونية في فلسطين تحت الحكم العثماني بمهمة تمثيل اليهود أمام السلطان العثماني والسلطات الأجنبية الأخرى وشراء الأراضي لليهود بمساعدة الصندوق القومي اليهودي ليستوطنوا، وبعد صدور وعد بلفور وبدء الانتداب الإنجليزي على فلسطين، شارك قادة من المنظمة الصهيونية بصياغة قرار الانتداب وفي عام 1921 غير إسم المكتب إلى “التنفيذية الصهيونية لفلسطين لتلعب دور “الوكالة اليهودية ” المحددة في المادة الرابعة من صك الانتداب، حيث قامت بتنسيق الهجرة اليهودية لفلسطين، شراء الأراضي وتخطيط السياسات العامة للقيادة الصهيونية، وشكلت مدارس ومستشفيات وقوات مسلحة وظل حاييم وايزمان رئيسا للوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية حتى عام 1929. ، سنة 1948، أصبح إسمها “الوكالة اليهودية لأجل إسرائيل التي من مهامها جمع الإعانات و حل مشاكل الاستيطان، والدعاية، وجمع الأموال، وتثقيف اليهود خارج إسرائيل بالأهداف الصهيونية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق